بعد تلات سنين من طلاقي حكايات صافي هاني ٣

رجعتُ إلى إسكندرية، لا كزائر غريب، ولا كخصم يلوح بنفوذه، بل كإنسان منكسر يبحث عن طوق نجاة وسط بحر هائج من الندم والذنب. الفيلا التي كانت تضم أمي في سموحة تحولت إلى ساحة داخلي، لكن المعركة الأهم لم تكن هناك، بل كانت في قلبي أنا وعقلي الذي لم يعد يفكر في أي شيء سوى كيف يرمم ما أفسده بيده.
مرت الأيام التالية بطيئة وثقيلة، وكأن عقارب الساعة كانت تتعمد تعذيبي. تركت إدارة الشركة لمدير التنفيذي لفترة غير محدودة، وأقمت في فندق صغير قريب من كورنيش إسكندرية، لا أتحرك إلا لأكون بالقرب من مركز الدكتور طارق أو مدرسة الأطفال، لا أقترب منهم بشكل مزعج، بل أكتفي بأن أراقب من بعيد، أن أرى ابني وهو يلعب في الحديقة، وابنتي وهي تضحك بصوت يصل إلى أذني فيبعث في روحي حياة جديدة.
في أحد الأيام الباردة، بينما كنت جالساً على مقعد خشبي كورنيش البحر، تضرب وجهي ريح الشتاء المحملة برذاذ المطر، ظهرت أمامي سارة. كانت تحمل بيدها حقيبة صغيرة، ووجهها يحمل هدوءاً غريباً ومحيراً. وقفت أمام المقعد لثوانٍ بصمت، قبل أن تتنفس بعمق وتجلس بجانبي على المقعد الخشبي.
قلبي دق بعنف، ولم أستطع أن أنطق بحرف واحد. سارة هي من بَدأت الحديث، وكان صوتها هادئاً، خالياً من العصبية التي عرفتها مؤخراً، لكنه كان مشبعاً بمرارة السنين:
* «بتعمل إيه هنا يا جاسر؟ قاعد بتراقبنا ليه؟ فاكر إن وجودك من بعيد هيغير اللي حصل؟»
التفتُّ إليها، ودموعي كانت تكاد تفر من عيوني، وقلت بصوت مكسور:
* «مش بتابعكم عشان أضايقكم يا سارة.. أنا بتابع نفسي. بتفرج على الإنسان الغبي اللي ضيع أحسن نعمة ربنا اتهداني بيها. أنا قاعد هنا لأني مش عارف أرجع القاهرة، والقاهرة مابقاش فيها أي حاجة تروق لي. كل ركن في بيتي وفي مكتبي بيفكرني بيكِ وبصوتك وأنتِ بتطلبي مني دقيقة واحدة أسمعك فيها وأنا بكل قسوة كنت برفض.»
سارة التفتت إلي، وعيونها لمعت بدموع احتجزتها طويلاً، وقالت بصوت يترعش:
* «عارف يا جاسر.. أصعب إحساس في الدنيا مش الفراق، أصعب إحساس هو أن الست تحس إنها لوحدها وعيالها في بطنها، وإن الراجل اللي مفروض يكون سندها وظهرها هو أول واحد بيديها ظهره. أنا استحملت كتير، وكنت بموت كل يوم ميتة بطيئة وأنا في إسكندرية.. لحد ما ربنا سخر لي راجل.. آه، راجل بجد، ما قاليش استنى ولا بعدين، ولا بعت لي سواق.. بل شالني أنا وولادي وهم في حتي من روحي، وبنى معايا حياتي من أول وجديد من تحت الصفر.»



