سرقة شقتي قبل الفرح أماني سيد

قبل ما ألبس فستان الفرح اكتشفت إن أكبر سرقة في حياتي حصلت وأنا لسه ما دخلتش بيتي واللي سرقوني مكانوش حرامية كانوا أهل جوزي!…
أنا اسمي جميلة ومخطوبة لواحد من محافظة وانا من محافظة تانية وبين محافظتنا ومحافظته أكتر من تلات ساعات سفر..
وبابا راجل صعيدي وطبعة صعب ومتشدد جدًا في حتة الشرف والسمعة وعمره ما رضي إني أبات برة البيت حتى لو عند أقرب قرايبنا.
ولما جه وقت فرش الشقة خطيبي قال بهدوء
يوم ما هتيحي تفرشي الشقة هتعودوا عندنا انتي ومامتك.
قبل ما أرد، بابا سبقني وقال بحزم:
“بنتي مش هتبات برة بيتها إلا يوم فرحها ويوم ما تدخل بينك وتبقي مسؤلة منك ولو عندك اعتراض يبقى مفيش جواز.
سكت خطيبي، وحاول يهدي الدنيا.
لكن حماتي وقتها قالت بابتسامة صفرا:
“يا راجل… بسيطة خالص. إحنا هنجيب ناس يفرشوا الشقة، وهي تيجي قبل الفرح بيوم ولا اتنين تبص عليها وتطمّن.”
بصيت لبابا… لقيته وافق بعد تفكير.
وأنا كمان قلت لنفسي: “ما هي أمه… أكيد هتعتبر الشقة شقتها، وهتحافظ عليها وعلي حاجتي وجهازي.
بعدها بيوم حماتي كلمتني وقالت:
“يا بنتي ابعتي الفلوس عشان أحاسب الصنايعية والناس اللي هتيجي تفرش.”
حولتلها المبلغ كله من غير ما أتردد.
وقفلت المكالمة وأنا مطمنة… ومش عارفة إن الفلوس دي كانت أول غلطة عملتها.
في بيت حماتي…
كانت ماسكة الفلوس في إيديها، وعينيها بتلمع.
وبناتها قاعدين حواليها.
قالت واحدة منهم وهي بتضحك:
“هنجيب ناس ليه؟ ما إحنا نفرش الشقة وخلاص.”
التانية ضحكت وقالت:
“أهو نوفر الفلوس.”
حماتي ابتسمت وقالت وهي بتحط الفلوس في الدولاب:
“وأهو القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود.”
ومن ساعتها… الكراتين بدأت تتفتح.
أول كرتونة…
“يا نهار أبيض! كل دي برفانات؟”
التانية فتحت كرتونة تانية.
“وكل ده مكياج؟ يا خبر! ده أنا عمري ما شفت الأنواع دي.”
التالتة طلعت إسدال صلاة مطرز وقالت:
“تحفة… ده هيحصل إيه يعني لو خدته ما هي حايبة ٣ باشكال مختلفة ؟”
ردت عليها أمها من غير ما ترفع عينها:
“خديه… هي مش هتعرف.”
كل واحدة كانت تفتح كرتونة ولو عجبتها حاجة تخبيها وتاخدها.
“الشنطة دي عجبتني خديها.”
“الفستان ده على مقاسي خديه.
البرفيوم ده ريحته تجنن حطيه في شنطتك.”
لحد ما واحدة منهم فتحت كرتونة الأجهزة.
شهقت وهي بتقول:
“إيه ده كله؟ قلاية…وخلاط…وكبة… وميكروويف…وكل دي اطقم حلل وكاسات وكوبايات.
ولا الأجهزة الكهربائية كلها غالية .
بصت لأمها وقالت بانبهار:
“يا ماما… الجهاز ده يجهز تلت عرايس مش عروسة واحدة!”
ضحكت حماتي وهي بتقفل كرتونة بعد ما شالت منها كذا حاجة وقالت:
“هي لسه صغيرة… مش هتعرف إيه ناقص وإيه موجود.”
واحدة من البنات قالت بخبث:
“ولو سألت؟”
ردت حماتي بثقة وهي بتكمل ترتيب الشقة:
“هنقولها احنا فرشنا الموجود في الكراتين … يمكن أهلك نسيوا يجيبو بافي حاجتك .”
والكل ضحك…
ولا واحدة فيهم كان عندها ذرة تأنيب ضمير.
بعد كام يوم…
كنت راكبة مع بابا في العربية.
قلبي بيدق من الفرحة.
وأخيرًا… هاشوف شقتي اللي كنت بحلم بيها من شهور.
كنت متخيلة هفتح الباب وأشوف كل حاجة زي ما رتبتها في دماغي.
لكن أول ما المفتاح لف في الكالون…
والباب اتفتح…
واعدت الف في الشقة وانا فرحانة وبتفرج وقعت عيني على حاجة خلت الصدمة بابنة علي وشي ووقفت تنحت ….
فضلت باصة مكان ما عيني وقعت وقلبي دق جامد كأن حد ضربني في صدري، النيش اللي كان مليان صواني وكاسات تملى العين، نصه فاضي! الكراتين الفارمة مرمية في كل حتة، وريحة الشقة غريبة ومقفولة، ماما قربت مني بخضة وقالت بصوت مذهول:
— إيه ده يا جميلة؟! فين باقي حاجتك؟ وفين الأجهزة اللي بوستِ إيدي عشان تجيبيها؟!
بلعت ريقي بصعوبة ولسه هانطق، لقيت حماتي وبناتها طالعين علينا من فوق على السلم وبابتسامة بلهاء حماتي قالت وهي بتتصنع الطيبة:
— أهلاً يا عروسة! نورتي شقتك… مبروك يا حبيبتي، الشقة زي الفل اهي وربنا تعبنا فيها يجي تلات أيام عشان نخلصها!
بصتلها وعيني كانت شرار ودموعي على تكّة، صرخت بصوت مصدوم:
— زي الفل؟! الشقة مسروقة يا طنط! فين الكاسات؟ فين الميكروويف والصواني والهدوم اللي في الكراتين؟!
بناتها نطوا في الكلام دفعة واحدة وبجاحة وصوت عالي:
— إيه يا جميلة الكلام ده؟ هو احنا حرامية ولا ايه؟! ما هي دي حاجتك اللي جات! يمكن أهلك جابوا أقل، ولا انتم جايين تعملوا مشاكل وخلاص من أول يوم؟!
أبويا اللي كان واقف ساكت لحد اللحظة دي، سمع الكلمتين دول وعروق رقبته نطت واتنفخ غضب، صوته جه زي الرعد في الشقة:
— مين دول اللي حرامية يا بت انتي وهي؟! انطقي يا جميلة، حاجتك فين بالضبط؟
حماتي وشها اتغير وقالت بقلة أدب وهي بتحط إدها في وسطها:
— بقولك ايه يا حج صبحي، بلاش طريقتك دي، احنا ناس محترمة ومعملناش حاجة، هي العروسة طايرة ولا إيه من فرحتها فمش شايفّة كويس!
مستحملتش أكتر من كده، جريت على أوضة النوم وفتحت الدولاب، وطلعت عياط حارق من قلبي لما لقيت فساتيني والبرفانات والمكياج محطوطين في دولاب بنات حماتي! صرخت بجنون وأنا بشاور عليهم:
— شايف يا بابا! شايف حاجتي عيني عينك لابسينها وراصينها في دولابهم! دي سرقة عينى عينك!
أبويا دخل الأوضة وبص للكارثة، وبنظرة مرعبة بص لحماتي وقال بصوت واطي بس كله شر:
— دي مقتنيات بنتي مترتبة في دولاب بناتك يا ام العريس… والفلوس اللي بعتها جميلة للصنايعية راحت فين؟! ده انتم لا حياء ولا دين!
حماتي حاولت تتماسك وبلعت ريقها بتوتر:
— يجرى إيه يا حج؟ ما هي العروسة وبناتي واحد، والحاجة هتنزل الشقة تاني!
أبويا ضحك ضحكة قاسية وقرب منها خطوة وقال بصوت مسموع وصارم هز الحوائط:
— الشقة دي ما تدخلهاش بنتي، والفرح ده أصلًا اتلغى، واليوم اللي تبصوا فيه لمال يتيم وبنت أصول هتدفعوا تمنه غالي قيراط بقراريط، المأذون اللي هيجيبكم هو اللي هيجيب حقنا بالمليم والجزمة فوق دماغكم!
…….
حماتي نطت في كلامه وعينيها طلعت شرار وقالت بصوت عالي وصريخ يملى العمارة:
— فرح إيه اللي تلغيه يا راجل إنت؟! أنت اتجننت ولا إيه؟! الفرح خلاص كمان يومين والناس كلها عزمتها، تكسفنا قدام البلد وتفرصنا عشان شوية كاسات وهدوم؟ دي حاجات عادية!
أبويا مردش عليها بكلمة، بس بصلي وقال بحزم شديد:
— قدامي يا جميلة.. هاتي شنطتك وكل ملليم اندفع في البيت ده هيرجع بالجزمة وإحنا واقفين، واللي ما يحترمبناش في حضورنا، ما نأمنش بنته في غيبتنا.
جريت على الأوضة وأنا بموت من العياط، لميت حاجتي اللي عرفت أطولها وأنا حاسة إن الدنيا سودة قدامي، وبنات حماتي واقفين يزعقوا ويشتموا بجاحة ولا كأنهم سرقونا عيني عينك، وحماتي بتصوت وتلم علينا الشارع وتقول كلام يكدبنا.
نزلنا وركبنا العربية، وطول الطريق وأنا ساكتة ودموعي نازلة بغزارة، حاسة إن عمري كله وحلمي راحوا في ثواني، وبابا كان سايق وساكت بس عروقه بارزة من كتر الغضب.
أول ما دخلنا البيت، بابا طلع تليفونه وبجلالته كلم خالامي وعمامي وكل رجالة العيلة، وقالهم كلمة واحدة:
— الفرح اتهد، والكل يجيلى حالا عشان نجيب حق بنتكم اللي الناس دي ضحكت عليها.
تاني يوم الدنيا قامت وقعدت، أهل عريسي لقوا إن الموضوع كبير والبلد كلها بتتكلم عن سرقتهم لبيت العروسة، جه الكبير بتاعهم وجواهم رجالة وعايزين يلموها بالذوق عشان الفضيحة، بس بابا وقف قدامهم زي الجبل وقال كلمته اللي قفلت كل حاجة:
— بنتي مش للبيع، واللي يمد إيده على مال حرّ ملوش أمان، الفلوس ترجع بالمليم، والشبكة وكل مليم اتصرف يترد، وفاتورة الدandاح والشماتة دي هيدفعوا تمنها غالي.. والجوازة دي اتنهت من قبل ما تبدأ.
قعدت في أوضتي وأنا باصة للفستان الفرح اللي كنت بعشق تفاصيله، وحاسة بغصة في قلبي، بس في نفس الوقت حسيت إني نجيت من كابوس أطول وأسوأ بكتير، وربنا نجاني قبل ما أكون مسؤولة من ناس لا تخاف ربنا ولا تعرف معنى الأمان.
…….
الكلمة كانت واضحة وما فيهاش رجعة، وأهل العريس لقوا نفسهم في موقف ما يحسدوش عليه؛ الفضيحة بقت في تراب البلد كله، وكلام الناس مبيخلصش. وبسبب خوفهم من الكسرة والفضيحة قدام قبايل الصعيد، اضطروا ينفذوا كل شروط بابا بالحرف الواحد.
بعدها بيومين بالضبط، جم لحد بيتنا مع كبيرهم، ومعاهم الشنط والكراتين اللي سرقوها، ومعاهم كمان فلوس الشبكة والصنايعية وكل قرش اندفع، وبالمليم الواحد. بابا استلم الحق كامِل ومضّاهم على إيصالات وإقرار رسمي عشان محدش يقدر يفتح بوقه بكلمة تاني، وطردهم من قدام باب بيتنا ورأسنا مرفوعة وساحبتهم الذل والكسرة.
الناس قعدت تلومني وتقوللي “معلش، فترة وبتعدي وكنتي اعديها عشان الفرح”، لكن أنا كنت حاسة إن ربنا أنقذني من حفرة مكنش ليها قرار. الأيام عدت، ولقيت نفسي بركز في دراستي وشغلي ونفسي، وبابا كان كل ما يشوفني قاعد لوحدي يجي يقعد جنبي ويطبطب عليا ويقولي: “بنت الصعيد مش هينة يا جميلة، واللي يسترخصك ويفرط في أمانك ميستاهلش حتى يبص في وشك”.
وفعلاً، العوض الكبير جه من عند ربنا لما اتقدم لي شخص محترم وابن ناس بجد، عرف يعني إيه يصوني ويخاف ربنا فيا، ويدخل البيت من بابه وباحترام يليق بيا وبأهلي. يوم فرحي الحقيقي، كنت واقفة وأنا مطمنة وعارفة إن ربنا دايماً بيكتب لي الخير حتى لو في وسط صدمة كنت مفكراها نهاية العالم، بس طلعت مجرد بداية لصفحة جديدة ونضيفة.
ويومها وأنا باصة لنفسي في المرايا وأنا لابسة فستان الفرح الأبيض بجد، حسيت إن قلبي ارتاح، وإن كل دمعة نزلت وقتها كانت مجرد ثمن بسيط عشان أعرف قيمة نفسي وقيمة سند وضهر زي أبويا. عشت حياتي بعد كده وأنا متأكدة مليون في المية إن ربنا لما بيقفل باب، بيفتح ألف باب أحسن وأوسع، وإنه دايماً بياخد حق المظلوم ولو بعد حين.
تمت



