طلاق يوم الصباحية انجي الخطيب 2

نظرت إليه باحتقار شديد وقلت وأنا أجمع بقايا كرامتي: “أنت طلقتني يا محمود.. طلقتني تلاتة، وخلاص مبقاش ليك كلمة عليا، والرجالة اللي تحت دي جاية تاخد حق البنت اللي وقفت تتفرج عليها وهي بتنضرب من أمك وأختك.”
حاول الجري نحوي ليمسكني ويمنعني من النزول، لكنني سبقت ركضي نحو السلم، ونزلت والدموع تنهمر من عيني، لكنها لم تكن دموع انكسار، بل كانت دموع الخلاص. نزلت وأنا أرى حماتي وبناتها واقفات وراء باب الطابق الأرضي يراقبن المشهد برعب، بعد أن طارت الشجاعة الزائفة التي كانت لديهن عندما كنّ يستفردن بي بمفردي.
بمجرد أن رآني أبي نازلة من على السلم، وملابسي مبهدلة ووجهي يحمل أثر القهر، تخطى حماي وعمه كالإعصار، وجذبني وراء ظهره، ونظر إلى أعمامي وقال: “خدوا نيرمين على العربية يا رجالة.”
صاح عمه عبد الرحمن محاولاً التدخل: “يا حاج أحمد استهدى بالله، الموضوع موضوع حريم وبيتلم، والبت غلطت في حماتها و…”
قاطعه عمي الكبير بصوت هادر: “حريم إيه اللي تمد إيدها على عروسة في صباحيتها؟ وتسرقوا أكلها وجهازها؟ أنتم فاكرينا ملناش ضهر ولا إيه؟ البت هتمشي معانا، وحقها وحق شقا أبوها هناخده تالت ومتلت بالقانون وبشرع ربنا!”
في هذه اللحظة، نزل محمود مسرعاً، يحاول أن يظهر بمظهر الرجل أمام أهل بلدته وأمام أبي، وقال بصوت مرتجف: “يا عمي أحمد، نيرمين مراتي ومينفعش تمشي من بيتها كدة!”
التفت إليه أبي، وبصقة من القهر والاشمئزاز خرجت من فمه وهو يقول: “أنت بالذات متنطقش ولا كلمة، أنت طلعت مش راجل، ولا صنت الأمانة اللي اؤتمنتك عليها، ووقفت تتفرج على مرتك وهي بتهان وتضرب.”
صرخت من وراء أبي وقلت: “يا بابا ده طلقني! طلقني تلاتة فوق في الشقة وقال ومستعد يرميني برة!”
وقع الكلمة على حماي وعمه كان كالصاعقة، التفت حماي لمحمود وضربه على صدره بقوة وقال: “طلقتها يا مقصوف الرقبة؟ طلقتها في صباحيتها؟”
ساد الصمت والوجوم على وجوه رجال عائلة محمود، ففي أعراف الأرياف، طلاق العروس في صباحيتها دون سبب قاهر هو عار وخزي يلحق بالعائلة كلها ويجعلهم أضحوكة بين القرى، فضلاً عن ثقل الأحمال القانونية والمادية التي ستترتب على ذلك من مؤخر وقائمة منقولات كاملة.
أمسكني عمي وأركبني في السيارة، بينما وقف أبي يوجه كلماته الأخيرة لحماي وعمه ولجميع الحاضرين في الشارع: “بنتي طلقتموها، وحقها هيجيلها لحد عندها، وجهازها والحلل اللي بتطبخوا فيها عزومتكم هتيجي قوة تاخدها بالمليم، واليوم اللي افتريتوا فيه على بنتي هتدفعوا ثمنه غالي أوي.”



