ابني الكبير حكايات حمادة هيكل 2

قعدت مرات ابني جنبي على الكنبة، وسندت ضهرها وهي بتتنهد تنهيدة طويلة كأنها بتزيح حمل تقيل عن صدرها بقاله شهور. بصت في الأرض وشبكت صوابعها في بعضها، وقالت بصوت مجروح: “يا حماتي، إنتي فاكرة إن الخناقة كانت على طبق أكل برد ولا قلم اتمَد في لحظة غضب؟ لأ والله، الحكاية أكبر من كده بكتير، وأنا ساكتة ومتحملة عشان خاطر جوزي وعشان البيت ده يفضل ساترنا وعمران بأهله.”
رفعت عيني ليها وأنا مستغربة، وقلت لها: “فهميني يا بنتي، إيه اللي إحنا مش فاهمينه؟ ده إنتي كنتي مالتية البيت علينا بهجة وضهرك في ضهري طول النهار!”
مسحت دمعة نزلت على خدها وقالت: “القصة بدأت من ست شهور فاتوا. سِلفِتي، مرات أخو جوزي الصغير، من ساعة ما استلمت شغلها الجديد في المحافظة وحالها اتقلب. بقت تيجي شايفة نفسها علينا، وتلقح عليا بالكلام إني قاعدة ومستنيّة لقمة تجيلي من الغربة، وإني عالة على البيت. وأنا كنت بعدّي وأقول دي أختي الكبيرة ومفيش بين الأخوات زعل. لكن الموضوع م وقفش لحد هنا. من شهرين، وأنا نازلة من شقتي الصبح بدري، سمعتها وهي واقفة مع جوزها -ابنك الصغير- في حوش البيت، وكانت بتوزّه عليا وتزن فوق دماغه وتقوله: (أخوك الكبير بيقبض بالدولار وشغال بره، ومراته عايشة ملكة فوق، بتاكل وتشرب من خيرنا وأنت اللي شقيان في الأرض طول النهار، ومصاريف عيالها كلها علينا، لازم تفرجها مقامها وتعرفها إن الأرض دي بتاعتك أنت والقمة اللي بتاكلها هنا من عرقك).”
بصيت لابني الصغير اللي كان نايم على السرير، لقيته دارى وشه الناحية التانية وبدأ يتنهد بالبكاء والنحيب، فعرفت إن كلامها صح. كملت مرات ابني وهي بتعيط: “ابنك الصغير غلبان يا حماتي، والزن على الودان أمرّ من السحر. من يومها وهو معاملته اتقلبت معايا، بقى يدخل ويبصلي بقرف، ويقفل الأبواب في وشي، ولما يطلب حاجة يطلبها بنشفان ريق وكأني خدامة عنده مش مرات أخوه الكبير اللي هو في مقام أبوه. يوم الخناقة، أنا كنت شحن طاقتي خلص من كتر الإهانات المستخبية. ولما رجع من الأرض وجعان، أنا حطيتله الأكل بكل رضا، لكن هو قعد يتكلم في التليفون مع مراته، وهي اللي كانت بتسخنه عليا في الخط وتقوله (سيب الأكل يبرد وشوف هتعملك إيه). ولما جه يبص في الطبق، هو مكنش زعلان عشان الأكل بارد، هو كان بيدور على جنازة يشبع فيها لطم عشان ينفذ كلام مراته ويكسر نفسي.. وأنا لما قولتله ابني بيعيط، قولت الكلمة وأنا مخنوقة ودموعي غلباني، لكن الشيطان عماه ومد إيده عليا.”

