الميراث حكايات روماني مكرم

وفي يوم الصبح، وأنا قاعد في مكتبي بالمعرض الجديد، لقيت تليفوني بيرن.. كان رقم “أحمد” إخويا الصغير. رديت ببرود: “أيوة يا أحمد.”

صوته كان مهزوز وفيه خضة وبكاء: “لحقني يا حسن.. إلحقنا يا خويا! سامح العمارة اتسحبت منه عشان كان بايع شقق فيها بعقود مزورة وأبويا ما كانش كاتبهاله والشرطة بتدور عليه، وسمر ضحك عليها جوزها وأخد الفلوس اللي في البنك وهرب، والمصنع وقف عشان البضائع محجوزة عليها في الجمرك وأحمد محبوس في قضايا شيكات ومحتاجين مبلغ ضخم فوراً عشان يخرج وما يدخلش السجن! إحنا بنضيع يا حسن.. إحنا تحت الضرس!”

نزلت التليفون من على ودني وأنا ببتسم ابتسامة مكسورة. العاصفة بدأت، والفلوس الحرام اللي طمعوا فيها كانت السبب في خراب ديارهم.

وقفت قدام المراية، لبست أحسن طقم عندي، وربطت ساعتي، وقررت أروح لهم بيت العيلة اللي سمر كانت قاعدة فيه ومكسورة.. البيت اللي طردوني منه.

وصلت البيت، لقيت سامح قاعد في الصالة وشة أسود وممتحق، وسمر بتعيط بنحيب، وأحمد قاعد على جنب إيديه على رأسه. أول ما دخلت، بصوا لي بذهول.. لبسي، هيئتي، والنظرة الجديدة اللي في عيني، كانت مختلفة تماماً عن حسن المكسور اللي شال السرير والدولاب ومشيو.

سامح قام يقف بصعوبة وقال بصوت مكسور: “حسن.. أنت جيت؟ مش عارف أحمد قالك ولا لأ.. بس إحنا في مصيبة، إحنا محتاجين فلوس ضروري ونقذنا، أنت أخونا الكبير دلوقتي بعد ما الدنيا اسودت في وشنا!”

ابتسمت ببرود وقعدت على الكرسي الرئيسي في الصالة، حطيت رجل على رجل، وبصيت لهم واحد واحد وقولت…

بصيت لهم واحد واحد بهدوء يحرق الأعصاب، الصمت كان سيد المكان، ومحدش فيهم قادر يرفع عينه في عيني.

قلت بصوت واثق ورزين: “شايفين الكرسي اللي أنا قاعد عليه ده؟ ده كان كرسي الحاج الله يرحمه.. الكرسي اللي قعدتم عليه وتقاسمتوا الورث وهو لسه تحت التراب، ورميتم لي السرير والدولاب عشان تكسروا نفسي ونفس عيالي.”

سامح قرب مني بقلة حيلة ودقنه بترعش: “حقك عليا يا حسن.. الشيطان دخل بينا، والفلوس أعتنا، بس إحنا إخواتك، والدم عمره ما يبقى مية! الحقبنا يا خويا، أحمد هيتسجن وسمر بيتها اتخرب وأنا العمارة هتضيع مني!”

طلعت من جيبي الورقة البيضاء المطبقة، فتحتها بالراحة وحطيتها على الطاولة في النص بيننا. بصوا للورقة بذهول، وأول ما سامح شاف خط أبويا، عينيه اتسعت وشفايفه اترعشت. مسك الورقة وقرأها بصوت عالي وهو بيبكي، وسمر وأحمد بيسمعوا والذهول وياكل فيهم!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *