متجوزة ظابط حكايات روماني مكرم 2

تفحص المكان بعينين خبيرتين، ثم توقف أمامي وقال بصوت جهوري خالي من العاطفة:
— “مدام ندى… أنتِ وصغيرتك تحت التحفظ. الشقة دي بالكامل محل معاينة وتفتيش بأمر من النيابة العامة في القض*ية رقم (٤٠٢) حصر أمن دولة.”
تجمعت الدموع في عيني وأنا أحضن جنى التي أجهشت بالبكاء:
— “أنا ماليش دعوة بحاجة… أنا معرفش أي حاجة عن شغل ياسين!”
رد العميد بجفاف:
— “المقدم ياسين اتصاب في اشتباك مسلح على طريق السخنة، وحالياً في العناية المركزة بمستشفى الشرطة تحت حراسة مشددة. والأدلة المبدئية بتأكد إن الشقة دي فيها وثائق تخص تحويلات مالية لحسابات بره مصر.”
بدأ رجال التفتيش في قلب الشقة رأساً على عقب؛ الكتب، الملابس، المطبخ، والأدراج… بينما كنتُ أقف ومعدتي تتلوى من الخوف، يدَيّ تتصلبان فوق حقيبة جنى المدرسية التي يحملها ظهرها الصغير.
مرت ساعتان كأنهما دهر. لم يجدوا شيئاً ملموساً سوى الهاتف الثاني الذي تركه ياسين على الطاولة.
تم اقتدادي أنا وجنى في سيارة معتمة نحو مقر النيابة العامة. هناك، قَضيتُ ساعات طويلة في تحقيق مرهق، حاولوا فيه كسري بأسئلة لا تنتهي عن علاقات ياسين، وعن “ريم”، وعن الأموال. لكنني تمسكتُ بموقفي: زوجة مخدوعة لا تعرف عن حياة زوجها العملية سوى ما يظهره أي ضابط لبيته.
وبسبب عدم وجود دلائل مباشرة تتهمني، وبفضل تدخل محامٍ من أصدقاء والدي القدامى، صدر قرار بإفراج مؤقت عني بضمان محل الإقامة، مع منعي من السفر ووضعي تحت المراقبة.
خرجتُ من مبنى النيابة في منتصف النهار، أجرّ قدمي بوهن، وأمسك بيد جنى التي كانت ترتجف من الإرهاق. لم أعد أملك مكاناً أذهب إليه، فشقتي مغلقة بالشمع الأحمر.
توجّهتُ إلى شقة والدي الراحل المغلقة منذ سنوات في حي قديم. هناك، وسط الغبار والذكريات، أغلقتُ الباب علينا بالمفتاح، وسحبتُ حقيبة جنى المدرسية.
فتحتُ البطانة وأخرجتُ أوراق الرائد حازم.
بدأتُ أقرأ الوثائق بتمعن وصدمة تلو الأخرى. لم تكن مجرد صور ومستندات س*لاح… بل كانت تحتوي على تفاصيل حساب بنكي باسم مستعار، ومفكّرة صغيرة بخط يد ياسين، فيها تواريخ ومواعيد لمأموريات وهمية… وأسماء لشخصيات نافذة.
لكن المثير للرعب، أن الصفحة الأخيرة من المفكرة كانت تحتوي على رسم تخطيطي لبيتنا القديم، وملاحظة بخط ياسين تقوّل:





