سمعت أمي وهي بتعيط حكايات نور محمد 1

أمي حطت إيدها على بقها من الصدمة، وأنا واقفة أسمع والذهول آكل قلبي.. بابا كان طول عمره راجل طيب وساكت ومابيتكلمش عن ماضيه إطلاقاً.
الدكتور رؤوف كمل بصوت أبح:
“بس السر مش هنا يا حاج عبد الرحمن.. السر في اللي حصل ليلة ما أفرجت عني! لما قفلت الق\ضية وحفظتها، العمدة حلف ما يسيبنيش عايش، وبعتلي ناس يصفوني وأنا مروح. انت عرفت بالخبر ده، وما اكتفيتش بأنك أديتني براءتي القانونية.. انت نزلت بنفسك بليل، وجبت عربيتك الشخصية، وخبيتني في شنطة العربية، وسوقت بيا من أسيوط للقاهرة طول الليل! مش بس كده.. انت طلعت من جيبك وقتها ألفين جنيه—مبلغ كان يشتري فدان أرض زمان—واديتهم لي وقولتلي: ‘يا رؤوف، كمل كليتك في القاهرة، ويا رب أشوفك أكبر جراح في مصر، وافتكر إن ربنا نجاك عشان تداوي الناس’!”
بابا نزل راسه والأرض ودموعه نزلت بللّت قميصه، وقال بصوت واطي: “يااه يا رؤوف… انت فاكر الكلام ده لحد النهاردة؟”
الدكتور رؤوف رد عليه بحرقة:
“أفتكر؟! أنا عشت ٣٥ سنة ببحث عنك! لما تخرجت وبقيت معيد، وبعدها سافرت ألمانيًا وأخدت الدكتوراه، ورجعت بقيت أكبر جراح عيون، كنت كل يوم بادور على وكيل النيابة النزيه عبد الرحمن شاكر. سالت عليك في النيابة قالوا إنك استقلت بدري ورجعت قعدت في القاهرة واختفيت عن الأنظار. أنا بنيت اسمي وثروتي دي كلها بفضل ربنا ثم الألفين جنيه بتوعك يا حاج عبد الرحمن! الفلوس اللي ادتهالي زمان هي اللي نجت حياتي، وهي اللي دفعت بيها مصاريف سنتي الأخيرة في الكلية!”
وهنا بص لي الدكتور رؤوف وبص لمراته، وقال وهو بيقلب في الذكريات:
“مراتي حكتلي إن بنتك جات النهاردة الصاغة، وباعت خاتم دهب صغير—ذكرى من جدتها—وجابت بيه ألفين جنيه.. والفلوس دي بالظبط هي اللي تبرعت بيها لست عجوزة غريبة في الشارع وسابت أبوها في زنقته رحمةً بالست دي! انت مربي ملكة يا حاج عبد الرحمن.. بنت أصول، خرجت من نسلك النقي.. نفس المبلغ اللي انت اديتهولي زمان عشان تسترني وتنقذ مستقبلي، بنتك طلعت بنفس القيمة النهاردة وتبرعت بيه لربنا، فربنا رد لك المبلغ في نفس اليوم ونفس اللحظة، بس على هيئة طوق نجاة لعنيك!”
الدموع كانت نازلة مننا كلنا في العيادة.. حرم الدكتور كانت بتبكي بكاء صامت، وأمي كانت بتتنفض من الفرحة والذهول، وبابا رفع راسه لفوق وقال: “الحمد لله.. سبحانك يا رب.. الودائع عندك لا تضيع أبداً”.



