بحب واحده حكايات روماني مكرم

سكتت لحظة، وبعدين طلعت من جيبها كيس دواء صغير وحطته على الترابيزة قدامي، وقالت نبرة خلت جسمي يقشعر: “الدكتور قال الرحم اتدمر، بس أنا تعبانه من جوه أكتر.. التعب بقى في عضامي وفي دموعي. أنا مش بنتقم منك يا ابن الناس، أنا بنتقم من الظروف اللي خلتنا العوبة في إيدين الكل.. وبكرة، لما نور تتجوز، أنا مش هيبقى فاضل لي حاجة أستناها في الدنيا دي”.
حست بقلبي بيتنفض من الخوف، وبصيت لكيس الدواء، ولنظرة زينب اللي كانت متجهة للنهاية… نهاية كل شيء.
فما هي الخطوة الأخيرة التي تنتظر هذا البيت، وهل تكون النهاية خلاصاً أم مأساة جديدة تكتمل بها الدائرة؟
الجزء الأخير:
برقت عيني وأنا بصيت لكيس الدواء، وشفت في عين زينب نظرة استسلام مرعبة، نظرة واحد بيودع الدنيا وهانت عليه روحه. في اللحظة دي، كأن غشاوة انزاحت عن عيني.. زينب مش جاية تنتقم مني، زينب بتتأكل من جوه، والذنب ذنبي أنا اللي سبتها في الضلمة دي لغاية ما فكرت في الموت!
مديت إيدي بسرعة ومسكت كيس الدواء ورميته بأقصى قوتي من البلكونة، ومسكت إيديها الرديانة الدافية بين إيديا وأنا ببكي بانهيار: “لا يا زينب.. لحد هنا وكفاية! قتلت ولادي بغبائي وضيّعت نور بضعفي، لكن مش هسيبك تقتلي نفسك وتشيلي ذنب جديد. إن كنتِ عايزة تموتي، موتيني أنا الأول، عشان أنا السبب في كل نقطة دم ونقطة وجع نزلت منك”.
بصتلي باستغراب، والجمود اللي في وشها بدأ يتكسر، ونزلت دموعها حامية تغرق خدودها، دموع قهر وسنين مكتومة. حضنتها لأول مرة من قلبي، مش شفقة ولا تأدية واجب، لكن ندماً وحسرة وإحساساً حقيقياً بالذنب تجاه إنسانة اتظلمت معايا ومع أهلها.
جه يوم فرح “نور”.. الجو في الحارة كان فيه زغاريد، والصوت واصل لحد شقتنا. زينب كانت واقفة قدام المراية ووشها أصفر، بس عينيها أهدى. جيت وقفت وراها، وحطيت إيدي على كتفها وقلت: “أنزل أبارك، ولا تحبي أفضّل جنبك؟”. بصتلي في المراية وقالت بصوت هادي: “انزل يا فلان.. سلم على العريس، وادعي لنور من قلبك إن ربنا يرزقها بالستر.. وانسى إن كان فيه يوم اسمها على لسانك”.
نزلت الشارع، شفت نور بالطرحة البيضا، زينة العرايس، كانت طالعة زي القمر.. بصتلي من بعيد نظرة أخيرة، نظرة عتاب ووداع، هزيت رأسي ليها بالدعاء، ومشيت في طريقي ودعيت من قلبي إن ربنا يعوضها عن كل الوجع اللي شافته بسببي.




