جوزي مسافر حكايات زهرة الربيع 3

كمل أحمد بابتسامة صافية: “الشنط اللي كانت بتتفتح زمان يا سميرة، كانت سبب إن البيت كله يتغربل، والناس تنكشف على حقيقتها.. والحمد لله إن النهاية طلعت إننا كسبنا كرامتنا، وعصام كسب رجولته من جديد.”

قفلت مع أحمد وأنا بصة من البلكونة على الشارع الهادي، حاسة إن الرحلة الطويلة والوجع والكسوف اللي عشته في نص الصالة زمان، كان هو التمن اللي اندفع عشان البيت ده يتعلم يعني إيه حرمة، ويعني إيه ستر، ويعني إيه أصول ما تتهزش مهما كانت المغريات.

مرت سنتين بعد رد الاعتبار وقعدة الصُلح الكبيرة، كانت الحياة فيهم ماشية بسلاسة وستر. أحمد كمل شغله في السعودية بجد واجتهاد، ومكافأة الأرض اللي شارك فيها أخوه عصام فتحت أبواب خير جديدة؛ بدأوا بالفعل يرخصوا المبنى ويرسموا الهيكل الخرساني لبيت جديد للبيت كله، يبقوا فيه سوا بس بحدود واستقلالية تامة تحفظ كرامة وحرمة كل واحد. عصام اتغير تماماً؛ بقى يعاملني بقمة الأدب والاحترام، يسأل عن طلباتي وطلبات ابني منير من بعيد لبعيد، وعمره ما يتخطى حدوده أو يتدخل في اللي مالوش فيه، ومراته منى بقت هي اللي بتستحي مني ومن تصرفاتها القديمة.

وفجأة، ومن غير أي ترتيبات، تلفوني رن في وسط الأسبوع. كان أحمد.

أول ما ردت، سمعت نبرة صوت مختلفة، نبرة زغاريد وفرحة طالعة من قلبه: “يا سميرة.. جهزي نفسك وشيلتك! أنا نهيت عقدي في السعودية ونزلت نهائي، ووصولي المطار بكرة الصبح!”

الخبر نزل عليّ زي أثمن هدية في الدنيا. أربع سنين من الغربة، والشحن، والشنط، والمشاكل، والمشاعر المشدودة بين المسافات، كلها كانت بتنتهي في اللحظة دي. رجوع أحمد النهائي كان معناه إن زمن الشنط المبعوثة مع الغرباء والمناديب انتهى، وإن الراجل اللي كان بيستر بيته من بعيد، راجع يقعد في وسطه ويقفل بابه عليه بنفسه.

ثاني يوم الصبح، كانت الشقة في حالة طوارئ فرح. حمايا وحماتي وعصام وابننا منير وأنا، الكل كان في انتظار أحمد. لما الباب اتفتح ودخل أحمد وهو شايل شنطه بإيده، العمارة كلها هزتها الفرحة. حماتي حضنته وهي بتعيط، وحمايا مسك في كتفه وباس رأسه، ومنير جرى في حضن أبوه وهو مش مصدق إن بابا مش هيمشي تاني.

لكن الموقف الأهم والأكثر تأثيراً، كان لما عصام قرب من أحمد.

الراجلين وقوفوا قبال بعض، شريط طويل من الأحداث والكسرة والغضب مر بين عينيهم في ثواني. عصام مد إيده ببطء ورأسه مطأطأة، بس أحمد ما استناش؛ قرب وحضن أخوه الكبير بحرارة وشده عليه. الضمة دي كانت بمثابة إعلان رسمي إن الصفحة القديمة اتقفلت تماماً، وأن الدم أقدم وأبقى من لحظات الشيطان والغل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *