جوزي مسافر حكايات زهرة الربيع 3

في اللحظة دي، بان المعدن الحقيقي للرجالة.

من غير ما يتردد لحظة، التفت عصام لأحمد وقال له بصوت ثابت وواضح لأول مرة من سنين: “أنا هبيع نصيبي في قطعة الأرض فوراً يا أحمد، والفلوس هتكون في المستشفى قبل الصبح. أبا هو اللي عملنا، وفلوس الدنيا كلها تروح تحت رجليه.”

أحمد مسك إيد عصام وقاله: “مش هتبص لوحدك يا عصام، الأرض أرضنا إحنا الاثنين، والدهب والفلوس اللي شيلناهم للزمن حان وقتهم النهاردة. إحنا ظهر لبعض وستر لأبونا.”

في خضرة الأزمة دي، اختفت تماماً أي رواسب قديمة. الشقيقين وقفوا كتف بكتف، يسهروا بالتبادل قدام باب العناية، يدوروا على الدكاترة، يدبروا الفلوس، ويحموا أمهم وأهل بيتهما من أي هم. أنا ومنى كنا واقفين في المطبخ بنجهز الأكل والمشروبات ونتناوب على رعاية الأطفال، والبيت كله بقى خلية نحل شغالين بقلب واحد.

وبفضل الله، ثم بدعواتنا ووقفة الأولاد، نجحت العملية الجراحية.

بعد أسبوعين عصيبين، رجع حمايا بيته، وشّه مرود وابتسامته راجعة. دخل من باب الشقة وهو متسند على دراع أحمد يمين، ودراع عصام شمال. أول ما قعد في نص الصالة، بص لولاده الاثنين وبص لي ولحماتي ومنى، وعينيه دمعت من الفرحة والامتنان.

حمايا مسك إيد أحمد وإيد عصام وحطهم في بعض، وقال بصوت حنين ومكتوم من التأثر: “أنا لو جرالي حاجة النهاردة هقابل ربنا وأنا مطمن.. الأزمة دي كشفت لي إن عندي رجالة بجد، وإن السَتر والأصول اللي زرعناها ما راحتش هدر. عصام بقى السند، وأحمد بقى الحصن.”

التفت لي حمايا وقال: “حقك علينا يا سميرة يا بنتي.. الصبر اللي صبرتيه والستر اللي حافظتي عليه هو اللي جمع البيت ده تاني وما خلاهوش يتخرب.”

مرت الأيام، والعمارة الجديدة كملت مبانيها. سكن أحمد وأنا في دور، وعصام ومراته في دور، وحمايا وحماتي في الدور الأراضي يجمعونا كلنا تحت سقف واحد. بس المرة دي، العيشة كانت مبنية على حدود واضحة، احترام كامل للخصوصية، وتقديس لحرمة كل شقة.

أما عن الشنط والهدايا.. فبقت تيجي وتدخل من الباب المفتوح، بس محدش بيقرب من سوستة حد، ولا حد بيبص على اللي في إيد غيره. عصام بقى هو أول واحد يمسك الشنطة المقفولة ويسلمها لي بإيده وهو باصص في الأرض بمنتهى الأدب ويقول: “اتفضلي يا أم منير.. حاجتك مجيوبة لحد عندك بالستر والسلامة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *