قصة رشدي أباظة مع أمه وابنته

اعتزل رشدي العالم لثلاثة أيام بلياليها. أغلق بابه، ورفض الطعام والشراب، ورفض مقابلة أصدقائه المقربين الذين لم يفارقوا ردهات المستشفى. في تلك العزلة، دار شريط حياته أمام عينيه؛ الشهرة، النساء، المال، الصيد، والضحكات التي كانت تهز أركان السينما. اكتشف أن كل هذا لم يحمه من طمع أقرب الناس إليه. فهم أن أمه قد صكّت شهادة وفاته قبل الأوان لتنقذ حفنة من العقارات. في اليوم الرابع، خرج رشدي من غرفته بملامح
شاحبة ولكن بنظرة حاسمة. طلب المحامي، وطلب من أمه أن تحضر كل الأوراق. وبيد مرتعشة بفعل المرض ولكن ثابتة بفعل الكبرياء، وقع على التنازلات كاملة. أعاد لها كل ما وهبته إياه، وكأنه يغسل يده من علاقة مادية شوهت قدسية الأمومة في نظره. لكن الموقف الذي تعرض له رشدي
أباظة فجّر بداخله رغبة في فعل المستحيل أو ما لم يتوقعه أحد. لم ينكسر، بل قرر أن يدير معركته الأخيرة مع الموت ومع البشر بطريقته الخاصة. أول ما فعله هو تأمين ابنته قسمت. كان يعرف أن الصراعات ستبدأ بمجرد خروج روحه، فقام ببيع وتوزيع ما تبقى من ثروته الخاصةالتي جناها بعرقه وفنهعلى ابنته في حياته، لدرجة أنه لم يترك لنفسه شيئاً يذكر ليورث. أراد أن يقطع الطريق على أي شخص يطمع في قرش واحد من كدحه، بما في ذلك والدته التي صدمته بموقفها.
ثم التفت إلى رفاق رحلته من العمال والخدم والبسطاء الذين أحبوه بصدق. استدعى مساعديه الذين قضوا معه سنوات طويلة، وقام بصرف مكافآت ضخمة لهم، ووزع عليهم مبالغ مالية كانت كفيلة بتأمين حياتهم، وكأنه يقول للعالم إن الغرباء كانوا أحنّ عليه من الأقرباء. وفي ذروة الألم، وبينما كان جسده يذوي، اتخذ القرار
الأكثر غرابة والذي صدم عائلته الكبيرة؛ فقد رفض تماماً أن يدفن في مقابر الأسرة الأباظية العريقة بالشرقية، تلك المقابر التي تليق بالباشوات والأعيان. طلب من صديقه المقرب مرسي أن يبني له مقبرة في منطقة نزلة السمان عند الأهرامات، وهي منطقة شعبية بسيطة مقارنة بتاريخ عائلته. وليس هذا فحسب، بل اشترط أن تُفرش أرضية المقبرة ب الحنة والرمل، وهي وصية غريبة تعكس رغبته في أن يحتضنه تراب الأرض ببساطة، بعيداً عن ألقاب العائلة وصراعاتها التي تذوق مرارتها في مرضه.
استمر رشدي في المقاومة، لكن المرض كان أسرع. وفي أيامه الأخيرة بمستشفى الكاتب، وصل الصراع النفسي بينه وبين والدته إلى ذروته. كانت تيريزا تحاول الدخول إليه، ربما بدافع الندم أو لتطمئن على تنفيذ بقية الإجراءات، لكنه كان يأمر الممرضات بمنعها. قال لصديقه الماكير الشهير محمد عشوب بمرارة لقد قتلوني وهم ينتظرون موتي.. لا أريد أن أرى من عدّوا أيامي بالورقة والقلم. كان رشدي يشعر بالوحدة برغم زحام المحبين من حوله. حتى زوجاته السابقات، اللواتي أحبهن وأحببنه، كنّ يقفن عاجزات أمام جبروت مرضه وجبروت موقفه من أمه.




