لابتوب حكايات روماني مكرم 3

لكن الغل اللي جوا حسن مكانش ينطفي بسهولة. كان بيدور على أي فرصة عشان يكسر الثبات ده، لحد ما جات الفرصة اللي كان مستنيها.
في يوم، جيه حسن من الشغل وهو شايل في إيده جواب رسمي موجه ليا من جهة شغلي. الجواب كان بخصوص ترقية جديدة ومكافأة مالية كبيرة كنت مستنياها من فترة نتيجة جهدي وتدريبي في العمل.

حسن مسك الجواب وشغف الفضول أكله، فتحه وقرأ الرقم والترقية. عينيه برقت، ونظرة الطمع القديمة رجعت تلمع فيهم من جديد!

دخل الأوضة ورمى الجواب على السرير قدامي وقال بنبرة فيها نبرة تشفي ولؤم:

“مبروك يا هانم على الترقية والمكافأة الكبيرة.. بس أظن بقى إن دي فلوس زيادة طارئة، وملهاش دعوة بالمرتب الثابت اللي كاتبة بيه عقود وشروط! والمكافأة دي لازم يدخل منها جزء في البيت عشان التزامات ياسين المستقبليّة، ولا الفلوس دي كمان رايحة لسي يوسف والأهل؟”

بصيت للجواب، وبعدين بصيت لحسن. لقيت فيه نفس العقلية الطماعة اللي مابتتغيرش، نفس الرجل اللي مش قادر يشوف مراته ناجحة ومستقلة من غير ما يحاول ينهب من عرقها.

قمت وقفت بثبات، وقربت منه مسكت الجواب، وابتسمتله ابتسامة أشد بروداً من كل اللي فات، وقولتله بصوت واطي ومزلزل:

“المكافأة دي يا حسن.. هي السبب اللي هيخلي السطر الأخير في حكايتنا يتقفل بالطريقة اللي أنت عمرك ما توقعتها ولا كانت هتخطر على بالك!”

اتسمر حسن في مكانه، وعينيه اتسعت من الخوف وهو مش فاهم المكافأة دي هنعمل بيها إيه، وإيه القرار الأخير اللي كنت مجهزاه عشان أنهي بيه المهزلة دي لمرة واحدة وأخيرة!

نظر حسن إليّ برعب مشوب بالذهول، تتنازعه الأفكار والظنون. كانت حمالات عينيه تتسع مع كل ثانية صمت تمر بيننا، ينظر إلى ورقة الترقية والمكافأة في يدي وكأنها حبل المشنقة الذي سيلتف حول أحلامه القديمة في السيطرة. تراجع خطوة إلى الخلف، مسح العرق الذي يتصبب من جبينه رغم برودة الجو، وقال بصوت متلعثم يكسوه الوجل:

“قصَدك إيه بالسطر الأخير؟ انتِ ناوية تعملي إيه بالفلوس دي يا بنت الناس؟ مش كفاية اللي عملتيه فيا والأوراق اللي وقعتيني عليها؟”

لم أرد عليه فوراً. تركه في حيرته يعصر ذهنه، مشيت بخطوات ثقيلة ومستقيمة نحو أريكة الصالة، جلست عليها بكل وقار وثقة، وحضنت ياسين الذي كان ينظر إلينا بعينين بيضاء صافية لا تفهم صراعات الكبار، لكنها تستشعر أمان أمه وحزمها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *