مرات أخويا حكايات منى السيد 2

دخلت الست سنية الصالة ورا ابنها أشرف وهي بتسحب في عبايتها السودة، عينها كانت بتلف في الصالة من السقف للأرض، تتفحص النيش، والسفورة، والستاير، كأنها داخلة مزاد علني مش داخلة بيت ناس فيه أزمة. وقفت في نص الصالة، وحطت إيدها على وسطها وعلّت صوتها بطريقتها اللي متعودة تفرض بيها السيطرة:
— جرى إيه يا حاج رجب؟ من امتى وبنات الناس بتتهان في البيوت وتتحبس وتتقفل عليها البيبان كأنها عملت عملة؟ إحنا سايبين بنتنا عندكم أمانة معززة مكرمة، مش عشان تسمعوها كلمتين ملهومش لازمة وتتصل بيا الصبح بدري تصرخ وتستغيث!
أبويا الحاج رجب مشالش عينه من على أشرف، ولا حتى التفت ناحية سنية بالسرعة اللي هي كانت مستنياها. شاور بإيده على الكنبة الكبيرة اللي قصاده:
— اقعدي يا ست سنية. اقعد يا أشرف. الأصول بتقول إن الضيف لما يدخل بيت يقعد الأول ويسمع، وبعدين يتكلم باللي يرضي ربنا، ده لو كان في نية أصلاً للكلام اللي يرضي ربنا.
أشرف كان باين عليه التوتر رغم محاولته إنه يبان تقيل وواثق من نفسه. عينه كانت متبتة في أخته ولاء، اللي كانت واقفة بعيد ضامة كتافها ومغمضة عينيها، ملامحها بتقول إن كل الحيل اتقفشت ومفيش مجال للتمثيل. أشرف سحب نفس، وقعد على حرف الكنبة وهو بيهز رجله بعصبية، وفتح أول زرارين من قميصه:
— خير يا حاج رجب؟ إيه حكاية المعرض والتوكيلات اللي بترمي بيها كلام دي؟ أنا راجل فتحت مصلحة بعرق جبيني وشقايا، ومسمحش لحد يرمي عليا كلام في الرايحة والجاية!
أخويا إسلام ضحك ضحكة قصيرة، ضحكة كلها مرار وقهر، وقرب من أشرف خطوتين وهو باصصله باحتقار صريح:
— عرق جبينك؟! شقاك إنت برضه يا أشرف؟ إنت من امتى كان عندك عرق ولا شقى يا بتاع القهاوي؟ ده إنت بقالك تلات سنين قاعد على قهوة المعلم فوزي مبتحطش في جيبك تمن كوباية الشاي، تفتح معرض موتوسيكلات منين ومنين جالك راس المال في تلات شهور؟!
سنية اتنفضت من مكانها وشهقت:
— جرى إيه يا إسلام؟! إنت هتعمل على ابني راجل؟! ما تتكلم بأدب مع الراجل اللي فاتحلك بيتك ومستحمل بنته معاك على الحلوة والمرة! ولا إنتوا عشان ربنا موسعها عليكم بالبيتين اللي حيلتكم جايين تدوسوا على الغلابة وتتهموهم بالباطل؟!
أمي الحاجة ماجدة مسكت دراعي جامد، حسيت بصوابعها بترتعش وهي بتضغط عليا، صوتها كان طالع بالعافية ومبحوح من كتر الزعل:
— باطل إيه يا سنية؟ إحنا عمرنا ما دوسنا على حد، ولا عمرنا بصينا للناس بنظرة فوقية. إحنا فاتحين بيتنا لولاء من سنين، عشناها في خيرنا، وسترناها مع ابننا، وعيالها في عنينا… تقوم بنتك تمد إيدها في الضلمة وتسرق شقى راجلي وشقى ابنها عشان تفتح لابنك معرض؟! دي الأصول اللي ربيتي بنتك عليها؟!
سنية بصت لبنتها ولاء بنظرة حادة مفيهاش أي مفاجأة، وكأنها كانت عارفة الحكاية من أولها لآخرها ومش متفاجئة بأي كلمة من اللي بتتقال. ولاء بصت في الأرض وعضت على شفتها، وسنية استجمعت كل بجاحتها وردت ببرود:

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *