مرّت الأشهر التالية كأنها دهرٌ يلتهم ما تبقى من روح أحمد وصحته. الشقة الفخمة التي اشترى أنصبة إخوته فيها بالملايين وجعلها مملكة لعروسه الجديدة، تحولت إلى طللٍ كئيب يفوح منه الموت والندم. لم يعد فيها شبرٌ واحد يذكره بالفرح؛ فقد باع أغلب أثاثها المودرن وسجادها الفاخر لسداد نفقات المحكمة المتركمة عليه، ولتدبير مصاريف العلاج اليومية لأمه التي تدهورت حالتها الصحية والنفسية بشكل مريع. أصبحت حماتي قعيدة الفراش تماماً، تنطق بكلام غير مفهوم، ولا تترك الصراخ إلا حين يغالبها النوم من شدة الألم. كان أحمد يجد نفسه يستيقظ في منتصف الليل على صرخاتها، فيضطر للقيام بجسده المنهك ليتولى بنفسه عمليات التنظيف الغسيل التي كان يعتبرها زُهداً وقرفاً حين كنتُ أقوم بها. يداه اللتان كانتا ترفضان الاقتراب مني لأنني “أغير الحفاضات لأمه”، أصبحتا متشققتين من كثرة استعمال الكلور والمطهرات، وملامحه التي كانت تشرق بالضحك والدلال في صور البحر، استُبدلت بوجه ذابل وعينين غائرتين تحيطهما هالات سوداء كئيبة. في أحد الأيام، سقطت أمه من على الفراش وهي تحاول المناداة عليّ باسمي القديم. لم يستطع بمفرده رفعه؛ فقد كانت ثقيلة ولم تعد لديه طاقة بدنية. اتصل بأخته -تلك التي كانت تبتسم للشاشة وتتفرج على صور الزفاف- وهو يبكي ويتوسل إليها أن تأتي لساعده في رفع أمهما وتغيير فراشها الملوث. جاءه رد أخته قاسية كالحديد عبر الهاتف: “أنا جوزي حلف عليا بالطلاق مأدخل شقتك ولا أشيل قرف حد! أنت اللي أخدت العمارة والشقة واشتريت نصيبنا كاش وعشت الدور، اتحمل بقى نتيجة أفعالك.. إحنا أخدنا فلوسنا وخلاص!” أغلق الهاتف وجلس على الأرض بجانب أمه الملقاة، وبكى بحرقة لم يبكها في حياته قط.شعر ولأول مرة بحجم الجرم الذي ارتكبه في حقي؛ عرف أن أولئك الإخوة الذين كان يحسبهم سنداً ويدفع لهم الأموال النقدية ليرضيهم، لم يكونوا سوى أشباح جشعة، وأن المرأة الوحيدة التي صانت بيته وتحملت قرف أمه ابتغاء وجه الله، هي التي ضرب بها عرض الحائط وضحى بها من أجل نزهة زواجه الشيطانية. أما على الصعيد المالي والقانوني، فقد اكتملت الدائرة عليه. استطاع محاميّ أن يستصدر حكماً ببيع سيارته المتهالكة في المزاد العلني لصالح سداد متأخرات نفقة الأطفال والزوجية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل إن إدارته في العمل، بعد أن استنفد كل إجازاته وكثرت أخطاؤه وتغيباته بسبب رعاية أمه، وجهت له تنبيهاً أخيراً بالفصل النهائي إذا لم ينضبط في مواعيده. وجدتُ نفسي في تلك الأثناء أترقى في عملي بالمركز الطبي. أصبحتُ مسؤولة عن قسم كامل، وزاد دخلي بشكل ممتاز، مما مكنني من الانتقال مع أطفالي وأمي إلى شقة جديدة جميلة يملؤها الدفء والشمس. كان أطفالي يتفوقون في مدارسهم، وعادت الحياة تبتسم لنا بعد طول جفاء. كنتُ أذهب يومياً إلى عملي بملابس أنيقة ووجه مشرق، أعيش حياتي بكرامة، وأشعر بكل جوارحي أن الله قد أخذ لي حقي كاملاً دون أن أرفع حجراً واحداً ضد أحد. في ليلة شديدة الظلمة، ارتفعت حرارة حماتي وبدأت تجود بأنفاسها الأخيرة. لم يجد أحمد أحداً بجانبه. اتصل بالإسعاف بمفرده، ونقلها إلى المستشفى الحكومي وهو لا يملك في جيبه سوى بضع جنيهات لا تكفي لشراء الدواء المطلوب. خاف أن يتصل بإخوته فيخذلوه مرة أخرى. جلس في ممر المستشفى البارد، يتذكر كيف كان يشتكي من الفقر ويحرمني من المصاريف بحجة مشاكل العمل، وكيف كان يأخذ بطاقة معاش أمه الميت ليمشي بها المنزل بينما كان ينفق مئات الآلاف على القاعات الفخمة والبدل الأنيقة. تذكر كيف كنتُ أخرج في منتصف الليل لأشتري العلاج لأمه بمالي الخاص دون أن أشتكي، بينما هو الآن لا يجد من يربد على كتفه أو يطعه بلقمة. خرج الطبيب من الغرفة ونظر إليه بأسى قائلاً: “البقاء لله.. الوالدة اتوفت.” سقط أحمد على أرضية المستشفى، ولم تكن دموعه على وفاة أمه فقط، بل كانت على حياته التي تهمشت بالكامل. ماتت الأم التي ظلمتني معه، وماتت معها الشقة الكبيرة التي كانت سبباً في طمعه، وبقي هو وحيداً في مواجهة الديون القاسية، والأحكام القضائية التي تنتظر تنفيذه، والخراب الشامل الذي صنعت يداه. في اليوم التالي، أُقيمت جنازة العجوز. لم يحضر من إخوته سوى أخته وزوجها لبضع دقائق، ألقوا التعزية ببرود شديد وغادروا فوراً دون أن يقفوا معه في المدافن أو يتحملوا درهماً واحداً من مصاريف الجنازة. وقف أحمد وحده أمام القبر، يترحم على أمه ويرى شريط حياته يمر أمام عينيه كفيلم رعب؛ خسر زوجته المخلصة، خسر عروسه الشابة، خسر أمواله وسيارته، وخسر كرامته وأهله، ولم يبقَ له سوى شقة فارغة تسكنها ديون المحاكم والذكريات الأليمة. وصلني خبر الوفاة من إحدى الجارات. لم أشعر بالشماتة، لكنني شعرتُ براحة عميقة؛ راحة المظلوم الذي رأى العدالة الإلهية تتجلى أمامه رأي العين. لم أذهب للجنازة ولم أرسل تعزية؛ فقد أغلقت ذلك الفصل من حياتي إلى الأبد. بعد أيام قليلة من العزاء، فوجئت بأحمد ينتظرني أمام مقر عملي بالمركز الطبي. كان شكله يبعث على الشفقة؛ نحيفاً كالهيكل العظمي، ثيابه سوداء ومجعدة، وعيناه ممتلئتان بالانكسار والذل. اقترب مني بخطوات مرتعشة وقال بصوت خافت: “حكمت.. أمي ماتت.. ماتت وهي بتنادي عليكي. أنا بقيت لوحدي في الدنيا يا حكمت.. مفيش معايا حد، ولا فاضل معايا حاجة.” نظرتُ إليه بثبات ووقار، ولم أهتز لشكل انكساره، وقلتُ له بوضوح: “البقاء لله يا أحمد. بس أنا مش الشخص اللي تتكلم معاه دلوقتي.. كل اللي بينّا انتهى يوم ما شوفت فيديوهات الفرح ويوم ما بعتني عشان تدلع.” سقطت دموعه وقال بترجٍّ: “أنا عارف إن الموت خد أمي عقاب ليا.. وعارف إن ربنا انتقم منك فيا.. أنا موافق على كل طلباتك، بس خلي المحامي يرحمني من أحكام الحبس، أنا مش قادر أسدد النفقات المتركمة، ولو اتحبست هضيع خالص وهترفض من شغلي!” ابتسمتُ بمرارة وقلتُ له كلمة أخيره جعلته يتردد في مكانها: “أنت ماشفتش حاجة من العقاب يا أحمد.. اللي عشت فيه كان مجرد سداد لخدمتي لأمك، أما حق قهري وحرماني وحرمان عيالي.. فده حسابه بالقانون اللي مش هتنازل عن مليم واحد منه، وحسابه الأكبر عند ربنا لما تقف قدامه. ارجع لشقتك الفاضية، وعيش فيها مع ذنوبك.. لأن حكمت اللي كانت بتغسل قرفك وقرف أهلك ببلاش، ماتت يوم ما رقصت ببدلتك الفخمة!” تركته واقفاً في مكانها كالصنم، ومشيتُ بخطوات واثقة ونظرات مرفوعة نحو المستقبل، وأنا أعلم أن قصتي لم تنتهِ بعد، وأن الأيام القادمة ستحمل معها الفصل الحاسم والنهائي لقصة انتقام القدر. خلتُ شقتي الجديدة المضيئة بنور الشمس، وأنا أتنفس الحرية والنقاء لأول مرة منذ سنوات طوال. أغلقتُ الباب خلفي، تاركة أحمد في الشارع يكتوي بنار انكساره وخسارته الكبرى. لم يعد يربطني به سوى الأوراق الرسمية التي تسير بخطى ثابتة في أروقة المحاكم، أوراق تُكتب بمداد من العدل الإلهي ليأخذ كل ذي حق حقه. أما أحمد، فقد عاد إلى شقته المهجورة بعد أن تركته أمام مقر عملي. كانت الشقة مظلمة، باردة، وتفوح من جوانبها رائحة الموت وأدوية أمه الراحلة. لم يعثر في الصالة الفخمة على مقعد واحد يرتاح عليه؛ فقد جُرّدت الشقة من أثاثها المودرن وسجادها الفاخر قطعة تلو الأخرى لسداد مصاريف الجنازة والنفقات العاجلة. جلس على الأرضية الباردة، يسند رأسه إلى الجدار المقشر، والهدوء القاتل يلف المكان، هدوء لا يقطعه سوى صوت أنفاسه المتهدجة ووقع ذكرياته الأليمة. تذكر الأيام التي كان يدخل فيها البيت ليجد الطعام الساخن جاهزاً، والشقة تعبق برائحة النظافة والعود، وأطفاله يستقبلونه بالضحك والقبلات. تذكر كيف كان يمارس عليّ الأستاذية والتكابر، ويتظاهر بالقرف ليحرم شفتي من الابتسامة، وكيف استغل طيبتي وصبري ليوفر أمواله ويشتري بها وهم السعادة الزائفة مع عروس صبية لم تلبث أن دهست كبرياءه وألقت به في أتون الديون والخلع بمجرد أن شمت رائحة المرض والمرارة. في صباح اليوم التالي، جاءته ضربة قاضية جديدة في عمله. عند دخوله مقر الشركة، استدعاه المدير العام إلى مكتبه. لم يجد على وجه المدير سوى التجهم والصرامة. ألقى أمامه ملفه الوظيفي وقال له بنبرة حازمة: “يا أحمد، إحنا صبرنا عليك كتير جداً. غيابات متكررة، إنتاجية معدومة، وشكاوى من العملاء بسبب عدم تركيزك. فوق كل ده، وصلنا اليوم خطابات استقطاع قانوني وتنفيذي من المحكمة لعدة قضايا نفقة وديون، والشركة مش هيئة شؤون اجتماعية عشان تتفرغ لمشاكلك الشخصية. للأسف، إدارة الشركة قررت الاستغناء عن خدماتك من النهاردة.” سقطت الكلمات على رأسه كالصاعقة. حاول أن يتوسل، أن يشرح ظروف وفاة أمه وديونه المتراكمة، لكن المدير أشار له بالخروج ببرود، مسلماً إياه قرار الفصل النهائي مع نموذج تسوية مستحقات مقتطعة بالكامل لصالح الديون والأحكام القضائية. خرج أحمد من شركته يحمل كرتونة صغيرة فيها أوراقه الشخصية، كمن يُساق إلى الإعدام. أصبح الآن بلا عمل، بلا دخل، بلا زوجة، وبلا أم، مطارداً بأحكام قضائية نهائية بضرورة سداد مبالغ مالية ضخمة تحت طائلة الحبس الفوري. حاول للمرة الأخيرة أن يلجأ إلى إخوته. ذهب إلى بيت أخته، تلك التي اقتسمت معه إثم الشماتة في البداية. عندما فتحت له الباب ورأت حالته الرثة وكرتونة أوراقه، لم تسمح له حتى بالدخول إلى الصالة. وقفت على العتبة وقالت بلهجة مستفزة: “جاي ليه يا أحمد؟ جايب لك مشاكل جديدة؟ جوزي قال لي مفيش قرش واحد يدخل بيتنا من ناحيتك، ولا لينا دعوة بقضاياك ونفقات عيالك.” صرخ في وجهها والدموع تخنق صوته: “أنا طردوني من الشغل يا فاجرة! أنا ضعت! نسيتوا الفلوس الكاش اللي أخدتوها مني تمن نصيبكم في الشقة؟ نسيتوا إن أكلت حق حكمت وعيالي عشان أوفيلكم حقوقكم؟ دلوقتي تبيعوني وأنا بالحال ده؟” ردت عليه بقسوة وجحود: “أنت اللي جيت على نفسك وعلى بيتك عشان تتباهى وتتجوز عروستك الشابة! الفلوس اللي أخدناها كانت حقنا الشرعي في ورث أبونا، محدش ضربك على إيدك عشان تشتري الشقة لوحدك.. يلا ارجع لشقتك وبلاش تفضحنا في الشارع!” وأغلقت الباب في وجهه بقوة، ليرتطم الصوت بقلبه وينكسر فيه آخر أمل في البشر. عاد أحمد إلى شقته الخاوية، ليرديه المحامي الخاص بي بخبر زلزل ما تبقى من كيانه. أصدرت المحكمة حكماً باتاً بالحجز الإداري على الشقة الكبيرة ذاتها والموافقة على بيعها في المزاد العلني لاستيفاء المتأخرات المالية الضخمة لنفقات أطفالي، ومؤخر صداق العروس السابقة، والديون البنكية التي تراكمت عليه. الشقة التي هدّ حيلي في تنظيفها وسُفكت فيها صحتي، والتي اشترى أنصبة إخوته فيها ليتفاخر بها، أصبحت معروضة للبيع للغرباء بأمر القانون ليُسدد منها حق الأطفال الذين حرمهم من اللقمة! أما أنا، فكنتُ في تلك الأثناء أعيش أجمل أيام حياتي. بالترقية الجديدة التي حصلت عليها في المركز الطبي، استطعتُ أن أتسلم سيارة صغيرة بالتقسيط المريح لتسهيل تنقلاتي مع أطفالي. أخذتُ طفليّ وأمي في عطلة نهاية الأسبوع إلى إحدى المدن الساحلية، لنقضي أياماً مليئة بالدفء والبهجة على شاطئ البحر؛ نفس البحر الذي كان أحمد يلتصق فيه بعروسه ويصور معها فيديوهات الشقاوة والدلال بفلوس معاش أمه. كنتُ أجلس على الرمال، أراقب أطفالي وهم يركضون ويضحكون بحرية، وأتذكر كيف حاول أحمد أن يكسرني ويجعلني خدامة مجانية لأهله، وكيف رد الله كيده في نحره، فجرد من العزة، وألبسه ثوب الذل، وأراه أثر الظلم في الدنيا قبل الآخرة. وصلتني الرسالة من المحامي تفيد بتحديد موعد المزاد العلني لبيع الشقة، وأكد لي أن نصيبي ونصيب أطفالي من متحصلات البيع سيكون كافياً لتأمين مستقبلهم التعليمي بالكامل، وشراء شقة صغيرة باسمي الخاص دون الحاجة لأي مخلوق. لم أعد أشعر تجاه أحمد بحديد الغضب ولا بحرارة الانتقام؛ فقد حلّ مكان ذلك كله شعورٌ عظيم بالاستغناء والسكينة. أدركتُ أن كل قطرة عرق سقطت مني في خدمة عجوز أو في مسح أرضية، وكل دمعة كتمتها وقهرتها في صدري، قد تحولت بقدرة قادر إلى سياط تلاحق الظالم وتدمره من حيث لا يحتسب. يقف أحمد اليوم على شفا الحبس والتشرد، ينظر إلى الشقة التي تُسلب منه جهاراً نهاراً، يواجه مصيره المظلم لوحده، بينما أخطو أنا مع أطفالي نحو مستقبل مشرق ناصع، مستعدة لاستقبال الفصل الحاسم الذي سيطوي صفحته من حياتي إلى الأبد.