جنون أمي حكايات زهرة الربيع 2

مايا بدأت تفتح عينها ببطء، عينها كانت زايغة ومرعوبة، أول ما شافتني مسكت في هدومي بضعف وبقت تصرخ: “نسمة! أوعي تسيبيني! هو قال إنه رايح لها.. قال هيروح المستشفى!”

قلبي وقف في صدري.. الدم اتجمد في عروقي.
مسكت مايا من دراعها وسألتها بصوت مرعوب: “رايح لمين يا مايا؟ رايح لمين؟!”
مايا قالت وهي بتبكي بدموع حارقة وصوت متقطع: “رايح.. رايح لأمي المستشفى يا نسمة! أخد السكينة وقال لي طالما السر انكشف، أنا هخلص على كل حاجة قبل ما الشرطة توصل!”

الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. الراجل ده جن جنونه، وعارف إن نهاية مطافه السجن، وقرر يروح للمستشفى!
الظابط أول ما سمع الجملة، اتكلم في اللاسلكي بصوت عالي وأمر كل الدوريات: “إشعار عاجل لمستشفى الأمراض العقلية! التحرك فوراً للقبض على المدعو (مكرم)، متهم خطر ومسلح متجه للمستشفى!”

أنا ما استنيتش الإسعاف ولا استنيت الشرطة. جريت على برة الشقة زي المجنونة. زياد جرى ورايا ومسكني عند السلم: “نسمة استني! الشرطة رايحة وهتتصرف!”
صرخت فيه وأنا بزقه بكل قوتي: “أمي في خطر يا زياد! 15 سنة حابسها والنهاردة رايح يأذيها! مش هقعد استنى!”

نزلت للشارع وزياد جه معايا وركبنا عربيته، وطار بيها بأقصى سرعة ناحية المستشفى. الشوارع كانت زحمة، وكل دقيقة بتعدي كانت بالنسبة لي كأنها سنة من العذاب. كنت بصلي وبتحايل على ربنا إننا نوصل في أسرع وقت.

بعد نص ساعة من القيادة، وصلنا لمستشفى الأمراض العقلية.
المكان كان هادي كالعادة، السور العالي والباب الحديدي الكبير. نزلنا من العربية بنجري. البواب كان واقف مستغرب من منظري ومن حركة زياد السريعة. جريت عليه وصرخت: “فيه راجل دخل هنا دلوقتي؟ راجل كبير ومصاب في إيده؟”
البواب بصلي بدهشة وقال: “أيوه.. الحاج مكرم وصل من عشر دقائق، قال إنه جايب أدوية ضرورية للمدامة مديحة ودخل على العمبر جوه!”

قلبي وقع في رجليا.. دخل من عشر دقائق!
جريت على جوه، في الممرات الكئيبة. الأطباء والممرضين كانوا بيتطلعوا فينا باستغراب وأنا بجرى وبصرخ باسم أمي: “ماما! مديحة!”
وصلت للعمبر اللي فيه أمي. الباب كان مقفول من جوه!

حاولت أفتح الباب، وكان مسدود بحاجز من جوه. بصيت من الزجاج الصغير بتاع الباب..
المنظر اللي شوفت جوه خلى صرختي تتشق في أرجاء المستشفى كلها.
أمي كانت واقفة في ركن الأوضة، ضامة نفسها للحيطة، وأبويا واقف قباله، ماسك أداة حادة في إيده، والدم نازل من جروحه، وعينيه مليانة غضب وعصبية شديدة. كان بيقرب منها ببطء وبيقول بصوت واطي ومخيف: “15 سنة وأنا سايبك عايشة يا مديحة.. 15 سنة وأنا صابر عليكي.. بس أنتِ أبتي إلا إنك تخربي كل حاجة في الآخر؟ رسمتِ لها الشامة؟ يبقى خلاص.. رحلتك انتهت النهاردة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *