جوزي قالي حكايات بسمة ٣

اتسعت حدقتا عمي فاروق بنشاط وحذر، واقترب مني بخطوات سريعة وهو يلقي بنظرة تفحصية على الممر الخارجي لمبنى المباحث، ثم أخذني من ذراعي باتجاه سيارته الرابضة أمام المبنى ليضمن الخصوصية التامة.
«سر يمس الولاد يا نهى؟! سر إيه اللي لقيتيه في أوراق طارق؟!».. سألني عمي ونبرته مشحونة بالترقب والخطورة.
أخرجتُ من حقيبتي ملفاً أصفر صغيراً، كنت قد سحبته من الخزنة الخشبية القديمة في شقة طارق الليلة التي جمعت فيها ملابسي. كانت أوراقاً مصفّرة، تعود لتاريخ ميلاد طفلي الأكبر «ياسين» منذ أربع سنوات.
فتحتُ الملف ويداي تتلمسان المستندات بصلابة، وقلت بصوت تهتز له الأبدان:
«لما ولادي تعبوا وجاتلهم السخونية الشديدة من يومين، أخذتهم للدكتور وطلب مني تحاليل دم كاملة وفصيلة دم عشان نقل المحاليل.. ووقتها اكتشفت إن فصيلة دم ولادي الاثنين مستحيل تكون ناتجة عن فصيلتي وفصيلة طارق اللي مدونة في عقد جوازنا!»
صُدم عمي فاروق واستند على رأس السيارة بذهول: «أنتِ بتقولي إيه يا نهى؟! قصدك إيه؟!»
أكملتُ ودموع القهر تُحرق جفوني، لكنها دموع قوة لا ضعف:
«رجعت للأوراق القديمة دي يا عمي.. ولقيت إن طارق من أربع سنين، وبأمر من أمه وحماتي، عمل تحليل جيني (DNA) لولاده من ورايا! أمه كانت مفهماه ومغسولة دماغه إن الشك يلعب في قلبه، وإن البت اللي اتجوزها من غير عزوة مستحيل تجيب له عيال يتربوا في بيته من غير ما يضمن نسبهم! عمل التحليل وطلعوا ولاده من صلبه 100%.. لكن البشاعة مش هنا.. البشاعة إن الورقة الثانية اللي مع التحليل بتثبت إن طارق كان عارف إني عندي طفرة جينية ونقص مناعة وراثي بيتنقل للعيال، والدكاترة كاتبين له تحذير طبي صريح إن العيال دول محتاجين رعاية خاصة وطعام معين وأدوية دورية منتظمة، وإلا معرضين لضمور عصبي تدريجي!»
وقف عمي مشدوهاً، غير قادر على استيعاب مدى الوضاعة، فواصلتُ ونبرتي تشق الصخر:
«طارق أخفى عني التقرير الطبي ده أربع سنين كامليين يا عمي! كان بيشوفني بنزل الفجر أقف في مطبخ أمه أعمل عزومات لهدى، ويسيبني أفرك في البيت وأشيل واحط، وهو عارف إن المجهود ده بيضعف مناعتي، وعارف إن التعب اللي بيجي للعيال كل فترة مش مجرد (دور سخونية) زي ما كان بيكذب عليا ويقولي (كبري عقلك واديهم خافض حرارة)! كان مستخسر يصرف على علاجهم أو يجيب لي دكتورة متخصصة، عشان يوفر الفلوس اللي بيديها لأخته هدى تدفع بيها أقساط ورشوة النصاب منير!»
قبض عمي فاروق على قبضة يده حتى أبيضت مفصله، على ظهر السيارة وهو يصرخ بغضب عارم:
«يا أولاد الكلب! بقى يوصل بيهم والنزاسة إنهم يتاجروا بصحة أطفال كبار وشباب زيك عشان يرضوا الست هدى وأمها؟! ده مش مجرد إهمال يا نهى.. دي جريمة الشروع في القتل والإضرار العمد بصحة قصر!»
في تلك اللحظة، خرج محامي طارق الجديد مكسور الجناح من باب النيابة، وهو يحمل أوراق الكفالة التي رفضها المحقق. لما رآنا واقفين، تقدم بخطوات متثاقلة وقال بصوت خافت:
« مدام نهى.. الأستاذ طارق جوة محجوز في التخشيبة، وبيترجاكي تدخلي له دقيقة واحدة بس.. طارق حصله هبوط حاد وضغطه واطي جداً، وبيقول إنه مستعد يوقع لك على البيع والشراء للشقة ولأي حاجة تطلبيها، بس تروحي تطمنيه على الولاد وتسمعيه!»
نظرتُ للمحامي بنظرة سحقته في مكانه، وأخرجتُ التقرير الطبي المخبأ من أربع سنوات، ورميته في وجهه:
«روح أديه الورقة دي لموكلك يا أستاذ! قول له نهى بتقولك إن الشقة والفلوس والقضايا كوم.. والتقرير ده كوم تاني خالص! قول له إن الورقة دي رايحة بكرة الصبح للمحكمة عشان أرفع بيها قضية خلع، وحرمان تام من الحضانة والرؤية لعدم الأهلية والأمانة على أرواح الأطفال، وقضية إضرار عمدي بصحة أطفال صغار!»
شهق المحامي وتراجع للخلف مصدومًا من حجم المفاجأة التي ستعصف بما تبقى من آمال طارق في الخروج من السجن.
أخذني عمي فاروق من إيدي، وفتح لي باب السيارة وقال بصوت صلب كالجبل:
«اركب يا نهى.. من النهار ده مافيش كلام مع المحامين ولا مع طارق. من بكرة أكبر أطباء المناعة والأطفال في مصر هيعالجوا ياسين وأخوه، وكل قرش اندفع في علاجهم أو اتسرق من ورث أباكي هيترد بالقانون والمحاكم.. واللي يفتكر إنه يقدر يظلم يتيمة ويدوس على عيالها، هيدفع الثمن من صحته وحريته وهو محبوس ورا القضبان!»
انطلقت السيارة، ونظرتُ من الزجاج الخلفي لأرى المحامي يدخل ببطء لغرفة التخشيبة ليبلغ طارق بالضربة القاضية الأخيرة.. الضربة التي ستحرمه من رؤية أبنائه طوال حياته، وتجعله يتحسر على اليوم الذي فكّر فيه أن يكسر بخاطري أو يفضل أهله الظالمين عليّ!
وصلتُ إلى شقتي، وقبلتُ أبنائي وهم نائمون بأمان وراحة. نُظفت حياتي تماماً، وردّت كرامتي أمام الجميع..
ولكن.. وقبل أن أغلق ستائر الغرفة لأستريح لأول مرة منذ سنوات، رن جرس الباب رنة واحدة قصيرة ومستعجلة.. وعندما فتحت الباب حذرة، لم أجد أحداً في الممر، لكنني وجدت علبة قطيفة حمراء صغيرة ملقاة على العتبة، وداخلها خاتم ألماني قديم جداً يحمل نقشاً فريداً.. نقش لم يكن يملكه في العائلة كلها سوى شخص واحد فقط كان يفترض أنه مات وغرق في البحر منذ عشرين سنة!
التقطتُ العلبة القطيفية بيدين ترتجفان، وشريط الذكريات المنسية يتداعى في عقلي كالشلال. الخاتم الفضي العتيق، بنقشته الفريدة التي تشبه زهرة اللوتس وتحمل أسطورة عائلية قديمة.. إنه خاتم «خالي إبراهيم»!
خالي الذي قيل لنا ونحن أطفال إنه غرق في رحلة هجرة غير شرعية منذ عشرين عاماً، وانقطعت أخباره تماماً، حتى أقاموا له سرادق عزاء وبكت عليه أمي رحمها الله حتى أوشكت على الفقدان.
كانت داخل العلبة ورقة مطوية بخط يده الدافئ:
(نهى يا بنت أختي الغالية.. أنا مش ميت. أنا كنت الهارب الوحيد من البطش والظلم اللي مارسته عائلة حماتك وأخوها من عشرين سنة. لما خسروني كل حاجة وركبوني الديون، اضطررت أختفي وأبني نفسي من الصفر في الغربة عشان أرجع في الوقت الصح. عمك فاروق كان وسيلة اتصالي الوحيدة طوال السنين دي، وكنت واقف معاه خطوة بخطوة ورا الستار عشان نضمن إن الظلم ده ينتهي للأبد، وإنك تاخدي حقك وحق أمك المرحومة متبوعاً بكرم وكرامة.)
شهقتُ بالدموع، دموع راحة واطمئنان لم أعرفهما طوال حياتي. التفتُ لأجد عمي فاروق يقف عند أول الدرج وابتسامة حنونة تزين وجهه، ويمسك بهاتفه ويزف لي الخبر:
«خالك إبراهيم برة العمارة يا نهى.. رجع البلد رسمياً بعد ما المحكمة برّأته من القضايا القديمة اللي لفقوهاله نفس العصابة!»
في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن السماء تمطر عدلاً ورحمة. لم أكن وحدي قط، كان الله يدبر لي الخلاص ودواعي القوة من حيث لا أحتسب، وكان صبر لخمس سنوات يستعد ليزهر نصرًا مؤزرًا.
ومرت الأيام سريعة كنسيم الصباح..
بعد ثلاثة أشهر فقط، كانت الخريطة قد تغيرت بالكامل، والعدالة قد كتبت كلمتها الأخيرة بأحرف من نور وضياء:
أولاً: طارق وعائلته..
صدر الحكم النهائياً ضد «منير» بالسجن المشدد 15 عاماً بتهم النصب والتزوير وابتزاز الأموال وغسيل الأموال.
أما «هدى» وحماتي، فقد أُدينتا بالاشتراك الجنائي والتزوير، وصدر بحقهما حكم بالسجن المشدد 7 سنوات لكل منهما. أصبحت هدى التي كانت تتأنعر وتلعب دور الضحية تقضي أيامها بين جدران السجن الباردة، وحماتي التي كانت تحرك الخيوط بدهاء تبكي في خشيبة النساء على ما آلت إليه حياتها وحياة ابنها.
أما «طارق».. فقد صدر بحقه حكم بالسجن 3 سنوات للإهمال والتستر والتوقيع على معاملات مشبوهة، بالإضافة إلى صدور حكم بخلعي له رسمياً بحكم المحكمة، وسحب الحضانة والرؤية منه تماماً ومنعه من الاقتراب من الأطفال إلا بإذن قضائي مشدد تحت حراسة، وذلك بعد تقديم التقرير الطبي الذي أثبت تعريضه لحياة أبنائه للخطر.
طارق خسِر كل شيء؛ خسِر شقته التي بيعت في المزاد العلني لسداد ديونه، خسِر عمله وسمعته، والأهم من ذلك أنه خسِر زوجته وأولاده وأصبح يقضي عقوبته وهو يعلم أنه كان مجرد أداة رخيصة في يد أمه وأخته.
ثانياً: استرداد الحقوق والشفاء..
بفضل عمي فاروق وخالي إبراهيم، استرددتُ ورث أبي وأمي بالكامل ومضافاً إليه التعويضات المالية الكبيرة عن السنين الماضية.
بدأتُ رحلة علاج ياسين وأخيه مع أكبر أطباء المناعة، وخلال أشهر قليلة استرد الأطفال صحتهم وعافيتهم، وعادت الضحكة تملأ وجهيهما الصغيرين بعد أن ابتعدوا عن البيئة المسمومة والشحنات السالبة.
ثالثاً: بداية جديدة..
قمتُ بتوسيع مشروعي التجاري الأونلاين، وافتتحتُ مع خالي إبراهيم وعمي فاروق شركة خاصة لتصميم الموضة والأزياء، أصبح اسمها يتردد في السوق بنجاح باهر.
اليوم، وأنا أقوم بفتح شباك شقتي الكبيرة المطلة على النيل، وأرى طفليّ يلعبان ببهجة في الصالة، ويتسامران مع خالي وعمي على طاولة الإفطار.. تنفستُ بعمق وابتسمت من أعماق قلبي.
نظرتُ إلى المرآة، لم أعد «نهى» الضعيفة التي تقف في المطبخ من الفجر لتخدم أناسًا لا يعرفون الرحمة، لم أعد الزوجة التي تُكسر كلمتها بعبارة «كبري عقلك».
أصبحتُ امرأة قوية، صلبة، استردت كرامتها وعزتها بقرار واحد وصوت عالٍ قال: «لأ» في وجه الظلم!
تذكرتُ تلك اللحظة التي رفضتُ فيها الاستسلام، وتأكدتُ أن المرة الأولى التي نقول فيها «لأ» للباطل، هي المرة الأولى التي نبدأ فيها بالعيش الحقيقي!
تنفسنا الحرية.. وانتهت الحكاية بانتصار الحق ورفعة الكرامة.





