جوزي قالي حكايات بسمة ٣

تجمّدت في مكاني أمام باب الشقة، والمظروف الأسود يتزلزل بين أصابعي. كانت الصورة القديمة التي أتمسك بها تعود لأيام دراستي الجامعية، صورة لم أرها منذ سنوات طويلة، وراءها ذلك الخيط المجهول الذي يُهدد بتهشيم الثمن الغالي الذي دفعته لنيل حريتي.
الرسالة كانت واضحة ومسمومة: (الشخص اللي ساعدك في الأموال العامة، مش هو الشخص اللي أنتِ فاكراه!)
دخلتُ الشقة وأغلقتُ الباب بأقفاله الحديدية الثلاثة. جلستُ على الأريكة وأنفاسي تتصاعد، عيناي لا تفارقان المظروف. هل يعقل أن العميد رفعت—الذي أنقذني وخاض معي هذه المعركة الضروس ضد عائلة طارق ومنير—يكون جزءاً من لعبة أكبر؟ أم أن هذه مجرد محاولة أخيرة من بقايا تلك الشبكة لإفقادي الثقة بنفسي وجعلي أتردد؟
أخذتُ نفساً عميقاً، وقررتُ ألا أستسلم للخوف. أدخلتُ المظروف في حقيبتي، وفي صباح اليوم التالي، وتحديداً في الساعة العاشرة، كنتُ أقرب ما أكون لمقر جهاز المباحث.
دخلتُ مكتب العميد رفعت. كان يرتدي زيه العسكري المعتاد، يراجع بعض الملفات وعلى وجهه ابتسامة النصر المعتادة.
«أهلاً يا نهى.. خير؟ النيابة جددت حبسهم جميعاً 15 يوماً على ذمة التحقيق، وطارق للأسف ملوش مخرج بعد ما ثبت توقيعه على ثلاث صفقات مشبوهة. أنتِ في أمان تام دلوقتي.»
لم أبتسم، بل أخرجت المظروف الأسود من حقيبتي ووضعته مباشرة على طاولته الزجاجية.
«أنا جيت عشان أفهم يا فندم.. مين اللي يحط لي المظروف ده تحت باب شقتي الجديدة؟ شقة محدش يعرف عنوانها غيرك أنت والمحامي بتاعي؟»
تغيرت ملامح العميد رفعت فوراً. فتح المظروف، وسحب الصورة والرسالة. رأيتُ في عينيه ومضة قلق وسرعة وبديهة لم ألاحظها من قبل. نظر إليّ بجدية شديدة وقال بصوت منخفض:
«أنتِ سألتيني قبل كده يا نهى.. إزاي أنا اهتميت بقضيتك بسرعة كده لما تواصلتِ معايا من أسبوعين؟ وإزاي وافقت أزرع الكاميرات في عمارة طارق بناءً على بلاغ سيدة عادية؟»
بلعتُ ريقي وقلتُ بثبات: «كنت فاكرة إن ده واجبتكم القانوني لما قدمت لك الدلائل الأولى.»
قام العميد رفعت من خلف مكتبه، وأغلق باب المكتب بالمفتاح، ثم التفت إليّ وهو يقول:
«ده كان واجبي.. بس في سبب ثاني يا نهى. الشخص اللي كشف لي خيط منير وهدى من ستة أشهر، واللي كان بيراقب كل تحركاتهم قبل ما أنتِ تتصلي بيا أساساً.. كان شخص يعرفك كويس أوي. شخص كان عارف إن هدى وطارق بيستغلوكي، وكان مستني اللحظة اللي ترفضي فيها وتكتشفي الحقيقة بنفسك عشان يتحرك ويحميكي!»
وقفتُ من على الكرسي بذهول: «مين؟! مين ده يا فندم؟!»
قبل أن يجيب العميد رفعت، رن هاتفه. نظر إلى الشاشة، ثم رفع رأسه ونظر إليّ بنظرة ذات معنى، وفتح زر السبيكر للجميع.
جاء الصوت عبر الهاتف.. صوت هادئ، وقور، ونبرة فيها حنان أعرفه نبرته جلياً ولكنني لم أسمعه منذ أكثر من عشر سنوات!
«نهى.. متخافيش من المظروف الأسود. المظروف ده كان التنبيه الأخير من رجال منير برة عشان يخوفوكي، بس أنا مسكت اللي حطه تحت بابك من ساعة زمن.»
اتسعت عيناي، وسقطت دمعة دافئة على خدي قبل أن أستوعب، وقلت بصوت يرتجف ويهتز:
«عمي؟! عمي فاروق؟!»
كان عمي فاروق—أخو أبي المتوفي—الذي اختفى خارج البلاد منذ عقد كامل بعد خلافات عائلية ضخمة مع أعمامي الآخرين وحماتي نفسها، الشخص الذي قطعت عائلتي أخبارها عنه وروجت حماتي وطارق لسنوات أنه رجل نصاب وهرّب أموال العائلة!
رد عمي فاروق بنبرة مليئة بالأسى:
«أيوه يا نهى.. عمك اللي حماتك وطارق أقنعوكي إنه مجرم وندل. حماتك وأختها هما اللي سرقوا ورث أباكي الله يرحمه من عشر سنين، وهما اللي زيّفوا المستندات اللي خلتني أبعد عن البلد عشان ما أتسجمش مظلوم! وطوال الخمس سنين اللي فاتوا، وأنا متابع عذابك مع طارق وأهله، وكنت بجمع الأدلة ضد هدى ومنير حبة بحبة، لحد ما إنتِ أخذتِ الخطوة الأولى وشهدتِ بالحق.. يومها بس عرفت إن بنت أخويا صحيت، وكان لازم أتدخل وأحميكي بقوة القانون وأرجع لك كل حق اتسرق منك ومن أباكي!»
جلستُ على الكرسي وأنا أضم رأسي بين يدي. كل شيء كان ينهار ويعاد بناؤه في عقلي. الحقيقة لم تكن فقط أن هدى وطارق خدعاني لخمس سنوات، بل إن العائلة بأكملها كانت تعيش على كذبة كبيرة أكلت ورثي وكرامتي وشبابي!
قال العميد رفعت وهو يضع يده على الطاولة:
«عمك فاروق رجع مصر من شهرين يا نهى برتبة رد اعتبار رسمية من المحكمة، وهو اللي كان يمول التحريات السرية. والمظروف الأسود ده كان المحاولة الأخيرة من عصابة منير لابتزازك، بس دلوقتي المقبوض عليه في التخشيبة اعترف بكل حاجة.»
في تلك اللحظة، جاء صوت صراخ وضجة عارمة من الممر الخارجي للمباحث.
فتح العميد رفعت الباب لنتفقد الأمر. كان العساكر يسحبون طارق وهو يرتدي ملابس السجن البيضاء متجهاً لغرفة التجديد، بينما كانت حماتي تقف على العكاز تحاول التوسل لضباط الأمن.
عندما رأتني حماتي، ورأت العميد رفعت يقف بجانبي، وبجانبنا رجل طويل عريض الكتفين دخل للتو من باب المبنى—عمي فاروق بشخصيته ووقاره—انخسف وجه حماتي بالكامل، وسقط العكاز من يدها وصرخت بذهول يقطر رعباً:
«فاروق؟! أنت رجعت؟! أنت لسة عايش؟!»
تقدم عمي فاروق ببطء وقوفاً أمامها، ونظر إليها بإزدراء شديد وقال بكلمات هزت أركان الممر:
«رجعت يا فاطمة.. رجعت عشان آخد حق أخويا اللي أكلتيه أنتِ وبنتك، وعشان أوريكي إزاي البنت اللي كنتِ بتعامليها كخدامة في بيتك، هي اللي هتورث كل أملاكك بقوة القانون، وأنتِ وابنك وبنتك هتعدوا السنين الجاية في الظلمة اللي صنعتوها بإيديكم!»
التفت طارق وهو مقيد بالأغلال، ونظر إلى عمي فاروق، ثم نظر إليّ، وخرّ ساجداً على الأرض يبكي بحرقة وندم يمزق القلوب، وهو يصرخ:
«خدعوني يا عمي! أمي وأختي خدعوني وخربوا بيتي وضيعوا مراتي وعيالي! يا نهى سامحيني يا نهى!»
لكنني لم أنظر إليه حتى. رفعتُ رأسي، وأمسكتُ بذراع عمي فاروق الواثقة، وسرنا معاً خروجاً من أروقة الظلم والخدع إلى الشارع العريض.
وقفنا في شمس النهار، والتفت إليّ عمي فاروق بابتسامة حنونة وقال:
«دلوقتي يا نهى.. قضية النصب انتهت، وبكرة تبدأ قضية استرداد حقوقك المادية وورث أباكي بالكامل.. جاهزة للخطوة الجاية؟»
بصيت له بثبات وقوة لم أعهدها في نفسي من قبل، وقلت:
«جاهزة يا عمي.. بس في سر أخير أنا اكتشفته في أوراق طارق القديمة البارحة بالليل، والسر ده هيخلي الجوازة دي والبيت ده يتدمروا من الجذور.. سر بيمس أولادي أنا بالذات!»



