جوزي اتجوز أماني السيد ٣

خرجتُ من القاعة، وأنا أحمل في يدي الصيغة التنفيذية للحكم. لم أستدر لأنظر خلفي، فالماضي أصبح جثة لا تستحق حتى التلفت.
لكن المعركة لم تكن قد أغلقت كل أبوابها بعد؛ فبينما كنتُ أغادر بوابات المحكمة الخارجية، تفاجأت بسيارة تقف عند الرصيف، ونزلت منها “هبة”، مرتدية نظارتها الشمسية السوداء وهي تبدو مكسورة الملامح ومضطربة، وجاءت تركض باتجاه البوابة كأنها تبحث عن حسن لتبدأ جولة جديدة من حرب الممتلكات والديون التي ورطته فيها.
تقابلت أعيننا لثانية واحدة عند البوابة. أزاحت نظارتها قليلاً، وشفتيها ترتجفان بذهول وهي تراني أخرج مرفوعة الرأس، متأنقة، وأحمل أوراق نصري. لم تقل كلمة، ولم أقل كلمة.. كان صمتي أبلغ من ألف شتيمة، وكان خروجي من حياتهما معاً هو الزلزال الذي تركها تتصارع مع حطام رجل لم يعد يساوي شيئاً.
عدتُ إلى بيتي، فتحت الباب، واستقبلتني فريدة بضحكتها الصافية. احتضنتها وقبلت جبينها، وقلت لها بصوت مليء بالأمل:
«خلاص يا فريدة.. الشمس طلعت، وكل حاجة رجعت لمكانها صح.»
مرّ شهران على يوم المحكمة المشهود، شهران كانا بمثابة النقاهة الحقيقية لروحي وقلبي. استلمتُ أوراق الخلع الرسمية، وأصبح أمر النفقة يُخصم آلياً من راتب حسن بالشركة، ليصل إلى حسابي البنكي في الموعد المحدد دون أن أضطر لرؤية وجهه أو سماع صوته. نقلتُ فريدة إلى حضانة جديدة قريبة من عملي، وبدأتُ أضع لمساتي الخاصة على الشقة التي أصبحنا نعيش فيها، غيّرتُ ترتيب الأثاث المتهالك، وغطّيتُ الجدران بألوان مبهجة تحسسنا بالدفء والبداية الجديدة.
أما في الجانب الآخر من المدينة، فكانت الحقيقة المرة تطحن الجميع.
حسن لم يعد يملك شيئاً؛ فالقضايا التي رفعتها عليه زوجته الثانية هبة لم تتوقف عند حد الطلاق، بل استغلت العقود الرسمية التي وقعها لها في أيام غفلته، واستولت على الشقة الفخمة وسيارتها، ورمت به وبكل محتوياته الخارج. وبسبب الاستقطاعات القانونية لنفقتي ونفقة البنت، والديون المتراكمة عليه للمحامين ولإيجار الشقة القديمة، أصبح حسابه البنكي خاوياً على عروشه.
في يوم خميس دافئ، وأنا عائدة من عملي في المحل بصحبة فريدة، وجدنا شيئاً غريباً ينتظرنا أمام باب العمارة.
كانت والدة حسن، حمتي السابقة، تجلس على الدكة الخشبية المجاورة لمدخل العمارة، يلفها عباءة سوداء وشال غطى نصف وجهها الذابل. لم تكن تبدو كالتلك المرأة القوية والمستبدة التي كانت تملأ البيت صراخاً وأوامر في الماضي. كانت تبدو عجوزاً أكلها الهم وشاب قلبها قبل شعرها.





