جوزي اتجوز أماني السيد ٣

حين رأتني، قامت ببطء وتساندت على عكازها الخشبي، واستقرت عيناها على فريدة التي تخبأت فوراً خلف ظهري وهي تتمسك بيدي بقوة.
ـ “سمر.. يا بنيتي،” قالتها بصوت مبحوح ومليان كسرة، وهي تمد يدها المرتعشة بلفافة صغيرة محاطة بقماش ناعم. “ما تبعديش البت عني يا سمر.. أنا جدتها، ومبقتش قادرة أشوف بيتي بيتخرب وأسكت.”
وقفتُ على مسافة أمان، ونظرتُ إليها بثبات يخلو من الغل، وفي نفس الوقت يخلو من الضعف:
ـ “أهلاً يا أم حسن.. فريدة مش خايفة منك، بس أنتِ عارفة إن حضورك هنا في الشارع كده بيعملنا مشاكل وإحنا صدقنا هدينا وبدأنا نعيش.”
تجمعت الدموع في عيني العجوز، ونزلت على تجاعيد وجهها بمرارة حقيقية:
ـ “حسن هيموت يا سمر.. حسن قاعد في الأوضة في بيت أبوه مش بيكلم حد، ولا بياكل ولا بيشرب. الشركة هدّدته بالفصل عشان غيابه المتقطع ومشاكل المحاكم اللي لاحقته، وهبة الهانم طردته ورفعت عليه قضايا تبديد أثاث بعد ما أخدت منه كل حيلته. هو عرف إنه اتخدع، وعرف إن الست اللي باع عشانها الدنيا كانت جاية على طمع، والست اللي رميها هي اللي كانت صايناه وبانية بيته.”
أخرجت اللفافة ومدتها إليّ:
ـ “دي أساور ذهب من ريحتي.. جيبهملك يا بنيتي، مش عشان ترجعيله، أنا عارفة إنك خلاص بقيتي في مكان تاني وحقك أخدتيه بالقانون. أنا جياكي أترجاكي كأم لأم.. بلاش ترفعي عليه قضية الحبس في متأخر النفقة اللي المحامي بتاعك بيجهزها. حسن لو دخل السجن هيضيع بالكلية، وشهادة البنت هتبوظ.”
تأملتُ وجه العجوز، وشفت فيه الندم الإنساني اللي بيجي بعد فوات الأوان. لكن عقلي كان يرى الصورة الأكبر؛ حسن لم يرحمني يوم رمى هدومي في كراتين، ولم يرحم بنته يوم سابها تجوع شهرين عشان ينفق على فسح مطاعم مراته الجديدة.
رفضتُ أخذ اللفافة الذهب بيدي، وقلت بهدوء شديد:
ـ “الذهب ده يفضل معاكي يا أم حسن، ينفعك وينفع ابنك في زنقته. أما عن قضية الحبس.. أنا مش مفترية، ولا باخد حق بالباطل. المحامي بتاعي مش بيرفع حاجة من دماغه، المحامي بيمشي بالقانون على قد الفلوس اللي ابنك بيماطل في دفعها وعامله فيها مظلوم. لو عايز يتجنب السجن، يلتزم باللي حكمت بيه المحكمة وزي ما بيعرف يدفع للمحامين عشان يضايقني، يدفع نفقة بنته اللي من حقه شرعاً وقانوناً.”





