جوزي اتجوز أماني السيد ٣

ـ “يعني مفيش أمل يا سمر؟ مفيش حنية لخاطر العشيرة؟”
ـ “العشيرة ماتت يوم ما اترميت ع البلاط يا أم حسن،” رديت وأنا بمسك إيد فريدة وبطلع أول درجات السلم. “اللي بيبيع اشتريته بالرخيص، ما يزعلش لما يترمي في سوق الخسارة. ابنك هو اللي اختار طريقه، وخليه يجرب يعيش اللي أنا عيشته عشان يعرف إن ربك بالمرصاد.”
صعدتُ السلم ورايا صوت تنهيداتها العالية وهي تلملم شتاتها وترحل.
في نفس الليلة، تلقيتُ رسالة نصية على هاتفي من رقم غير مسجل. كانت الرسالة من حسن نفسه، رسالة طويلة جداً، خالية من أي نبرة تهديد أو غرور. كانت عبارة عن مرثية لرجل أدرك متأخراً جداً أنه خسر كل شيء:
(سمر.. أنا مش بكتب عشان أترجاكي ترجعي، أنا عارف إن الباب ده اتسد للأبد وإنك بقيتي أقوى مني. أنا بكتب عشان أقولك إني بتمزق كل ليلة من الندم. هبة رمتني وأخدت الشقة والعربية، والناس في الحارة بيشاروا عليا بالصابع. أنا بقيت مجرد خيال راجل.. كنت فاكر إني بشتري راحتي لما اتجوزت، وطلعت بشتري جحيمي بإيدي. سامحيني يا سمر عشان خاطر فريدة.. سامحيني لو تقدي).
قرأتُ الرسالة مرة واثنين. لم يرقّ قلبي للعودة، ولم يشتعل بالشماتة، بل شعرتُ بامتنان عميق لرب العالمين الذي أراني ثمرة صبري وقوتي في الدنيا قبل الآخرة.
لم أرد على الرسالة كلمة واحدة. قمتُ بحظر الرقم، ومسحتُ الرسالة كأنها لم تكن، ثم أغلقتُ الهاتف وذهبتُ لأستلقي بجوار فريدة.
كان غداً هو اليوم الأول لي في مشروعي الصغير الجديد، حيث اتفقتُ مع إحدى الصديقات على افتتاح مشغل صغير لتفصيل وتنسيق الملابس. كان المستقبل يبتسم لي من بعيد، متأنقاً وثابتاً، أعددتُ له العدة وخرجتُ من ظلمات الماضي كطائر الفينيق الذي يخرج من رماده أكثر قوة وجمالاً.
وقبل أن أغلق عينيّ، سمعتُ طرقات خفيفة وهادئة جداً على الباب السفلي للعمارة، لكنني لم أتحرك.. فقد كنتُ أعلم تماماً من الواقف هناك في الظلام، وأعلم أيضاً أن زمان الظلام قد انتهى إلى غير رجعة.
طال الصمت خلف الباب لعدة دقائق، ثم تلاشت الخطوات في عتمة الشارع للابد. كانت تلك آخر محاولة يائسة من حسن للوقوف على أطلال ماضٍ هدمه بيده، وآخر سطر في حكاية استنزفت من عمري عشر سنوات من التضحية المجانية.
مرت سنة كاملة بعد تلك الليلة.. سنة كانت بمثابة الحياة الجديدة التي وُلدتُ فيها من جديد.





