مرات أبويا ربتني ٢

خرجت من حــ,,ـــــضنها وأنا لسه مش قادرة أستوعب حجم التضحية اللي الست دي عاشت فيها سنين طويلة. كنت ببص لملامحها، للتجاعيد الصغيرة اللي ظهرت حوالين عينيها مع السنين، وبفتكر كل مرة كانت بتسهر جنبي وأنا عيانة، وكل مرة كانت بتدافع عني قدام قرايب أبويا وكأنها بتحارب على حتة من روحها.

مسحت دموعها بإيد بتترعش، وصوتها طلع مخنوق بالبكاء:

— “أنا مكنتش عايزاكي تعرفي كده يا فرح… مكنتش عايزة تحسي ولو للحظة إن وجودك في الدنيا كان سبب في وجع حد، أو إن الحب اللي بيننا جه بناءً على وصية أو واحب فرضته الأيام.”

قعدنا الإثنين على أرض الصالة، ساندين ضهرنا على الكنبة، والورق اللي بخط أبويا كان مفرود بيننا كأنه شاهد على حكاية تلاتة بشر جمعهم الحب والفراق.

قلت ليها وأنا بحاول أجمع صوتي:

— “بس ليه يا ماما؟ ليه مخبيتيش الورق ده خالص؟ ليه سيبتيه فوق وليه مكنتيش بتقوليلي أي حاجة عن أمي ‘سلوى’؟ كنت بفتكر إنك عايزة تمحيها من دنيتنا.”

ابتسمت ابتسامة حزينة، وبصت لفوق كأنها بتسترجع ذكريات قديمة:

— “امحي سلوى؟ سلوى دي كانت أختي اللي مخلفتهاش أمي يا فرح. لما تعبت، أنا اللي كنت معاها في المستشفى أكتر من أي حد. لما طلبت مني أتجوز محمود عشان ميسيبش البيت ويسافر بيكي بره مصر بسبب ضغط أهله، الدنيا اسودت في عيني. أنا مكنتش بفكر في الجواز أصلاً. بس لما بصيت في عيونك وأنتِ عندك سنتين، شوفت نظرة سلوى فيكي. ومحمود… محمود كان راجل محترم، عمره ما عاملني كزوجة تقليدية في الأول، كنا اتنين شركا في مهمة واحدة بس: إننا نحميكي.”

سكتت ثانية، وأخدت نفس طويل وكملت:

— “أما عن ذكرياتها… أنا مخبيتهاش كرهًا فيها. أنا كنت بخاف أحكيلك عنها فـ تحسي بالفجوة. كنت بخاف تقولي ‘دي مش أمي الحقيقية’ فـ تبعدي عني، وأنا مكنش ليا في الدنيا دي غيرك. والجواب ده… محمود هو اللي صمم يكتبه قبل ما يدخل العمليات الأخيرة اللي متوفى فيها. قالي: ‘يا منى، فرح لازم تعرف لما تكبر إنك مش مجرد ست طيبة دخلت حياتنا، لازم تعرف إنك اخترتيها بكامل إرادتك’. أنا مكنتش قادرة أواجهك بيه، فسبته فوق… وكنت بدعي ربنا إن الأيام تعدي ومنفتحش الصندوق ده أبدًا.”

في اللحظة دي، الباب بتاع الأوضة التانية اتفتح بالراحة، وظهر منه “سامح” جوزها. كان باين على وشه إنه صاحي على صوت عياطنا ومكنش فاهم في إيه، بس لما شاف الورق في إيدي وصورتنا القديمة، فهم كل حاجة.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *