مرات أبويا ربتني ٢

قرب بهدوء، قعد على ركبته قدامنا، وبص لمنى بحنان كبير، وبعدين بصلي وقال:
— “فرح… أنا لما اتجوزت منى، كنت عارف الحكاية دي كلها. وعايزك تعرفي إن الست دي عمرها ما حكت عنك قدامي أو قدام ولادها ‘عمر ويوسف’ إلا وبتقول ‘فرح بنتي الكبيرة، بكرية قلبي’. السر ده مكنش خديعة ليكي يا بنتي، السر ده كان جدار حماية عشان تكبري في بيت مستقر ومتحسيش بـ يُتم مرتين.”
كلام سامح خلاني أحس إن الدنيا اللي كنت فاكراها ضيقة ومرعبة ورا السطور الأولى من الجواب، طلعت أوسع وأحن بكتير.
جمعت الورقات الأربعة وحطيتهم جوه الظرف تاني، وأخدت الصورة اللي بتجمع أبويا وأمي الحقيقية وسلوى ومنى وهم بيضحكوا. بصيت لملامح أمي سلوى، وحسيت لأول مرة إنها مش زعلانة، بالعكس، كأن ابتسامتها في الصورة كانت بتقولي: “أنا اخترتلك الصح”.
وقفت على رجلي، ومسكت إيد منى وشدتها عشان تقف معايا. بصيت في عينيها وقولت بثقة مكنتش حساها من سنين:
— “الجواب ده مش هيغير أي حاجة بيننا يا ماما. بالعكس… ده خلاني أعرف إني غالية أوي عند ربنا لدرجة إنه رزقني بأُمين، واحدة ادتني الحياة، وتانية عاشت الحياه كلها علشاني.”
مسحت دموعها وأنا ببتسم ليها، بس جوايا كان فيه سؤال تاني بدأ يظهر…
لو كان أهل أبويا محمود حاربوا منى عشان الورث والفلوس زمان، واختفوا طول السنين دي… يا ترى إيه اللي مكتوب في بقية الورق اللي في الجواب؟ وليه أبويا كتب في السطر الأخير من الورقة التانية جملة خلّت قلبي يدق بخوف جديد: **”ولما يجي يوم وتفتحي الجواب ده يا فرح، اعرفي إن أعمامك مش هيسيبوكي، والوقت قرب عشان يطالبوا باللي فاكرينه حقهم.”**
السطر الأخير في الورقة الثانية نزل عليا زي المية الساقعة. أعمامي؟ الناس اللي ملمحتش وشوشهم من وأنا طفلة صغيرة، الناس اللي كانوا بالنسبة لي مجرد أسامي في حكايات قديمة غامضة… أبويا بيحذرني منهم دلوقتي؟ وليه بعد كل السنين دي؟
بصيت لمنى، لقيت وشها رجع يتبدل تاني وخوفها زاد لما شافت عيني مركزة في الورقة الثالثة. سألتها وبصوتي نبرة قلق واضحة:
— “ماما… أعمامي مالهم؟ وأبويا يقصد إيه بإنهم مش هيسيبوني وإن الوقت قرب؟”
منى بلعت ريقها بصعوبة، وسامح حط إيده على كتفها كأنه بيطمنها ويستجمع معاها الشجاعة. قعدت على الكنبة وقالت بصوت واطي:





