مرات أبويا ربتني ٢

— “أبوكي محمود الله يرحمه، مكنش مجرد محاسب بسيط زي ما كنتِ فاكرة يا فرح. محمود كان شريك مع إخواته في أرض ومصنع نسيج كبير في المحلة، ورثوهم عن جدك. لما أمك سلوى تعبت، وطالبت بمصاريف علاجها، إخواته رفضوا يدوا لمحمود حقه، وحصلت بينهم مشاكل كبيرة وصلت للقطيعة. محمود ساعتها اضطر يبيع نصيبه في المصنع لواحد من بره العيلة عشان يعالج أمك، وده خلّى أعمامك يكرهوه ويكرهوا سلوى، واعتبروا إنه دخل غريب وسطهم.”

كملت منى وهي بتمسح دموعها:

— “بعد ما أمك ماتت، أعمامك حاولوا ياخدوكي بأي طريقة، مش حبًا فيكي، لأ… عشان الأرض اللي البيت ده مبني عليها، وأرض تانية بره القاهرة، كانت مكتوبة باسمك أنتِ وباسم أمك سلوى. قانونًا، طول ما أنتِ قاصر وتحت وصايتهم، هما اللي بيديروا كل حاجة وبياكلوا حقك. أنا لما وقفت في المحاكم واتنازلوا لي عن الوصاية والتبني بعد عذاب، كان بشرط كتبوه مع محمود… إنهم مش هيقربوا ليكي طول ما أنتِ مش حافاظة لسن الرشد وقاصر. لكن بمجرد ما تتمي السن القانوني وتعرفي الحقيقة… هيرجعوا.”

فتحت الورقة الثالثة بسرعة عشان أقرأ كلام أبويا بنفسي. خطه كان بدأ يضعف أكتر، كأن أنفاسه الأخيرة كانت بتنسحب وهو بيكتب:

> “يا بنتي… أعمامك ‘عاصم’ و’فتحي’ معندهمش عزيز ولا غالي. لما المحامي بتاعي كتب عقود الأرض باسمك وأنتِ طفلة، حط شرط إنك متقدريش تتصرفي فيها ولا هما يقدروا يلمسوها لحد ما تتمي سن العشرين. السن ده هو الحد الفاصل. هما عارفين التاريخ ده كويس، وعارفين إن بمرور السنين دي كلها، الأرض اللي في ضواحي القاهرة قيمتها بقت بملايين بعد ما المنطقة دخلت في الحيز العمراني الجديد.

> أنا خايف عليكي منهم يا فرح. خايف يستغلوا طيبتك أو قلة خبرتك في الدنيا. عشان كده سبتلك مع الجواب ده، في قاع الصندوق، نسخة من العقود الأصلية وعقد البيع والشراء اللي يثبت حقك وحق أمك سلوى. متتنازليش عن حقك يا بنتي، ده مش مجرد فلوس… ده تمن عذاب أمك وتعب منى اللي عاشت تحميكي.”

>

حسيت بغضب مكنتش أعرف إنه جوايا. غضب من ناس من دمي ولحمي سابوني أعيش يتيمة الأب والأم، ومفكروش فيا للحظة، وكل اللي هاممهم هو التراب والفلوس.

بصيت لمنى وقولتلها:

— “يعني هما عارفين إني كملت عشرين سنة دلوقتي؟”

قبل ما منى تنطق وتجاوبني، وفجأة في وسط السكون المرعب بتاع الفجر… تليفون البيت الأرضي رن. الصوت كان عالي وحاد، خلانا كلنا نتنفض من مكاننا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *