بعد موت جوزي
أماني السيد

فتحت الباب على آخره وقولتلها بهدوء: “اتفضلي يا أمي، ده بيتك برضه.”
دخلت وخطوتها تقيلة، عينيها عمالة تلف في كل ركن؛ شافت التلاجة اللي مليانة خير، والولاد اللي قاعدين بيذاكروا في هدوء ولبسهم نضيف ومكوي، وشافت الرضا اللي منور وشوشهم.. رضا كان مسلوب منهم سنتين كاملين في بيت العيلة. قعدت على طرف الكرسي كأنها غريبة، ودموعها نزلت وهي بتقولي: “أبوكي وقع بجلطة خفيفة من شهر، ولما قعد في البيت ومبقاش ينزل المعاش، الدنيا اتغيرت.. إخواتك وسلايفك اللي كنتي بتخدميهم، محدش فيهم بقى طايق كلمة منه، ولا حد راضي حتى يديله الدوا في ميعاده، وكل واحد قافل على نفسه بابه. ساعتها افتكرك.. افتكر لما كنتي بتشيلي هم البيت كله على كتافك ومبتنطقيش.”
الكلام وجعني، مش شماتة، لا والله، بس حسرة على العمر والدم اللي بيتقلب غريب عشان شوية قرارات ظالمة. قولت لها بصوت ثابت مبيرجفش: “أبويا على راسي يا أمي، وده مرضه وواجبي كبنت، بس اللي بيني وبينكم اتغير للأبد. أنا مش هرجع البيت ده تاني أخدم وأتهان، ولا مليم واحد من شقى عيالي هيدخل جيب حد. أجيله أزوره، أطمن عليه، وأجيبله طلباته لحد عنده.. ده برّه بيا قدام ربنا، لكن حريتي وكرامتي وعيالي، دول خط أحمر مفيش مخلوق يتخطاه.”
تاني يوم، أخدت ولادي ونزلت روحتلهم. أول ما دخلت الأوضة عليه، شوفته راقد في السرير، ضعيف وهزيل، مش ده الراجل اللي كان صوته بيهز الحيطان وهو بيطردني وبيحرمني من حقي. أول ما شافني، عينيه دمعت ومد إيده المرتعشة، مسكت إيده بوستها وقولتله: “ألف سلامة عليك يا بابا.”
بص في عيون ولادي اللي جم حضنوه ببراءة، وقالي بصوت متقطع مبحوح: “سامحيني يا بنتي.. أنا اللي افتريت عليكي وعلى لحمي، وربنا ردلي حقيقتكم كلكم في مرضي.”
مردتش عليه بعتاب، لأن العتاب وقت الضعف رخص، بس دعيتله بالشفاء، وقعدت معاه ساعتين، قومت بواجبي بما يرضي الله ورجعت بيتي مع ولادي.
في اليوم ده، اتعلمت أكبر درس في حياتي: إن الكرامة مش مجرد كلمة، دي درع بيحمي الست وولادها من قسوة أقرب الناس ليها.. وإن الست لما تقرر تعتمد على نفسها وعلى ربنا ومتركنش على حد، الدنيا كلها بتنحني قدامها احتراماً، وحق اليتيم عمره ما يضيع، حتى لو الزمن دار ولف، بيرجع لأصحابه وأكتر.


