متجوز ومخلف أتنين أماني السيد ٣

رجلي اتسمرت مكانها وأنا ببص للشنطة المحطوطة جنب الباب. كان شكلها زي التابوت اللي بيدفن فيه كل أمل فضلي في الحياة دي. الشنطة دي مكنتش مجرد قماش وسوستة، دي كانت إعلان صريح ومباشر إن سمر بتتخلى عن السقف اللي جمعنا، وإن النهاية اللي كنت بتهرب منها وصلت خلاص.
رفعت عيني بالعافية وبصيت في وشها. كانت واقفة وثابتة، ملامحها إنتحى منها الغضب والصراخ، وحل مكانه هدوء بارد ومخيف.. هدوء الست اللي اتخذت قرارها الأخير بعد ما أستنفذت كل طاقتها. الولاد مكنوش في الصالة، حسيت إنها دخلتهم الأوضة عشان ما يحضروش اللحظة المهينة دي.
قربت منها خطوة، وحسيت بصوتي بيطلع مكسور ومخنوق: “سمر.. الشنطة دي إيه؟ أنتِ رايحة فين؟”.
ردت عليا بصوت هادي وزي الثلج، صوت مفيش فيه أي نبرة حزن ولا عتاب: “أنا رايحة بيت أبويا يا إبراهيم. خلاص.. دوري هنا انتهى”.
جيت أقدم خطوة ثانية، ورفعت إيدي وأنا بترجاها: “سمر اسمعيني باللّه عليكِ! المصيبة انزاحت.. الحاج حسنين وقّفهم عند حدهم، والورق اتقطع كله، والنصابين غاروا في ستين داهية وما بقاش في تهديد على البيت ولا على الفلوس! كل حاجة رجعت زي الأول!”.
هنا سمر بصتلي، وارتسمت على شفايفها ابتسامة حزينة ومكسورة، وقالتلي: “رجعت زي الأول؟ أنت شايف إن كل حاجة رجعت زي الأول يا إبراهيم؟ أنت بجد فاكر إن المشكلة كانت في شوية الورق والبلطجية اللي كانوا على الباب؟”.
سكتت لحظة، ونفسها بدأ يعلى، وكأن الكلمات بتطلع بصعوبة من وسط جرحها المفتوح: “المشكلة مكنتش في الفلوس ولا في النصابين.. المشكلة كانت فيك أنت! المشكلة إن الراجل اللي أنا سلمته عمري، ووقفت معاه في الفقر قبل الغنى، وارتضيت بظروفه وشيلت اسمه وصنته في غيابه، طلع أول واحد يبيعني في أول منحنى. المشكلة إنك جريت ورا كلام صاحبك الرخيص، وعينك زغت على جمال صور، وبعت بيت كامل بمراته وعياله عشان شهوة يومين!”.
نزلت دموعها ببطء شديد على خدها، بس مسحتها بسرعة بظهر إيدها وهي بتكمل: “أنا حميتك من البلطجية ورجالة خالو وقفت معاك عشان ولادنا ما يتفضحوش وعشان اسم العيلة ما يطينش بالتراب، وعشان ما أشوفش أب ولادي مكسور أو محبوس.. ده حق العشرة وحق الولاد عليا. لكن حقي أنا؟ كرامتي أنا اللي أنت دوست عليها برجلك؟ وجع قلبي لما عرفت إنك بتنام في حضن واحدة ثانية ومفهمني إنك في شغل؟ ده مين يرجعه زي الأول يا إبراهيم؟”.
قعدت على ركبي قدامها على الأرض، ومسكت طرف جلبابها وأنا ببكي بحرقة مكنتش بكيتها في حياتي كلها: “سامحيني.. والله العظيم اتعميت، شيطاني ركبني وغفلت! أنا بقرف من نفسي كل ما بفتكر اللي عملته.. أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان أردلك كرامتك، مستعد أعيش خدام تحت رجليكي أنتِ والولاد، بس ما تهديش البيت وما تسيبيش الشقة.. اضربيني، اهينيني، اعملي اللي أنتِ شايفاه بس ما تبعديش!”.
سحبت طرف جلبابها من إيدي ببطء وبقسوة، ورجعت خطوة لورا: “اللي بيننا اتقطع يا إبراهيم.. والرباط اللي كان بيجمعنا اتكسر. أنت ما خنتنيش بس، أنت سرقت مني الأمان. أنا بقيت ببص في عينك وبشوف شخص غريب، مبقيتش بأمنلك ولا بأمن أعيش معاك تحت سقف واحد. كل ما هبص في وشك هافتكر خيانتك، هافتكر كذبك عليا وأنت بتبوس الولاد وبتقولي طالع شغل ورايح للعروسة الجديدة.. العيشة دي هتتحول لجحيم لينا إحنا الاثنين”.
في اللحظة دي، خرجوا الولاد من الأوضة، كانوا شايلين شنطهم الصغيرة. بصوا ليا وأنا قاعد على الأرض ببكي، وبصوا لأمهم. الولد الكبير قرب مني وقال ببراءة وكسرة: “بابا.. هي بابا وماما هيمشوا ويسيبوك؟ أنت زعلت ماما في إيه عشان نمشي؟”.
السؤال كان زي خنجر ثانٍ اترشق في صدري. مكنتش قادر أرد، مكنتش قادر أقوله إن أبوك هو اللي هد البيت بيده وخان الأمانة.
سمر وطت على الولاد، ومسكت إيديهم، وبصتلي النظرة الأخيرة قبل ما تمد إيدها وتاخد شنطتها الثقيلة. وقالتلي وهي واصلة عند باب الشقة: “أنا مش هحرمك من ولادك.. تقدر تشوفهم في أي وقت، والبيت ده هيفضل مفتوحلك لأنك أبوهم. بس حياتي أنا معاك كزوجة انتهت النهاردة. أنا هقعد في بيت أبويا، والمحامي هيتواصل معاك عشان نتفق على المصاريف ونرتب أمور الطلاق بالهدوء والستر، من غير فضايح عشان خاطر الولاد”.
فتحت الباب، وخرجت هي والولاد، وسمعت صوت خطوتهم وهي نازلة على السلم ببطء، لحد ما باب العمارة تحت اتقفل برزعة شديدة هزت أركاني.
فضلت قاعد على أرض الصالة لوحدي. الشقة اللي كانت مليانة ضحك ودفا وصوت ولاد وبوصلة بيت مليان حركة، بقت فجأة واسعة زي الصحراء، باردة ومظلمة وضلمة.
بصيت حوليا، لقيت بقايا لعب الولاد مرمية في الزاوية، وكوباية الشاي اللي كانت سمر صباهالي الصبح لسه فاضية على الترابيزة. حسيت بحجم الفراغ والدمار اللي صنعتوا بإيدي. عشان نزوة ورغبة طايشة وكلام صاحب خاين، خسرت مراتي الأصيلة، وبيتي الدافي، وضحكة ولادي في الصبحية.
قمت وقفت بالعافية، ومشيت بخطوات تقيلة ناحية أوضة النوم، رتّبت السرير اللي كان شهد على كذبي وخيانتي، وقعدت على طرفه وأنا حاطط رأسي بين إيديا.
تليفوني رن على الترابيزة. بصيت للشاشة ببطء.. كان رقم غريب مش متسجل عندي، بس النمرة كانت من بلد العروسة القديمة. مسكت التليفون وإيدي بترتعش، وفتحت الخط وأنا مش عارف المصيبة الجديدة اللي مستنياني في الرقم ده هتكون إيه…

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *