ابني الكبير حكايات حمادة هيكل 3

صوت الصراخ اللي جه من الشارع كان عالي ويخض، لدرجة إن كبار العيلة اللي قاعدين في المندرة وقفوا كلهم على رجل واحدة، والكلام وقف في حلق ابني الكبير.

طلعنا جري على بره نشوف في إيه، ولقينا واحد من شباب البلد بيجري وهو ينهج ويصرخ: “الحقوا يا جماعة! مخازن المحصول والجرار بتاع الحج عبد الستار (أبو مرات ابني الصغير) قايدة فيها النار! الحريقة واكلة الأخضر واليابس والناس مش قادرة تلمها!”

أبو البنت وشه اتقلب أزرق، وطار هو والرجال اللي معاه على بره عشان يلحقوا مالهم وتجارتهم اللي بتضيع. ابني الكبير بص لأخوه الصغير اللي كان بيحاول يقوم من السرير ومش قادر، وبص لمراته وقالي: “اقعدوا إنتو هنا يا أمي ومتتحركوش، أنا رايح أشوف في إيه.” وخرج يجري وراهم.

فضلت قاعدة أنا ومرات ابني الكبير، وجنبنا البنت (مرات الصغير) اللي كانت بتعيط وتترعش وخايفة على أبوها وشقا عمرهم. الغريب إن مرات ابني الكبير، برغم كل اللي البنت دي عملته فيها، قربت منها وحطت إيدها على كتفها وقالتلها: “ادعي ربنا يسلم يا بنتي، المال بيتعوض لكن الأرواح لأ.” البنت بصت لها بكسوف ونكسّت راسها في الأرض، ومقدرتش تنطق بكلمة من كتر الخزي.

بعد ساعتين من القلق، رجع ابني الكبير وهدومه كلها هباب وفحم ووشه عرقان. قعد على الكنبة وأخد نفسه بصعوبة، فجريت عليه بوجع: “طمني يا ابني، جرى إيه؟”

قال وهو بينهج: “الحمد لله، ربنا ستر والناس لمت النار قبل ما توصل للبيوت، بس مخازن المحصول كلها بقت رماد، والجرار اتمسح. الحج عبد الستار انكسر كسر واعر يا أمي، وموسم السنة ده كله ضاع عليه، والشرطة جات وبتقول إن الحريقة بفعل فاعل، مش ماس كهربائي ولا حاجة.”

الكلمة دي وقعت في الصالة كأنها قنبلة. بفعل فاعل؟! ومين اللي يتبلى على الراجل في ماله وشقا عمره؟

مرت ليلتين، والبلد كلها مقلوبة. الحج عبد الستار بقى قاعد في بيته لا بيكلم حد ولا بيقابل حد، وبنته قاعدة معاه بتخدمه بعد ما حاله اتمال. وفي اليوم الثالث، بعد صلاة العشاء، لقيت ابني الكبير داخل عليا الأوضة، وقفل الباب وراه براحة. ملامحه كانت متغيرة، وفي عينه نظرة غموض خوفتني.

قعد جنبي وقال بصوت واطي خالص: “يا أمي، الحقيقة اللي ظهرت في حريقة المخازن دي، وراها سر كبير يخص بيتنا إحنا بالذات.”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *