متجوز ومخلف أتنين أماني السيد ٣

مسكت التليفون وإيدي بترتعش، وحطيت السماعة على وذني وأنا حابس نفسي ومستني الصدمة اللي جاية عبر الخط. جه صوت نسائي متقطع ومبحوح، صوت كان باين فيه الخوف والكسرة، وميزته على طول رغم التوتر.. كانت “العروسة الجديدة”.
قالت بصوت بيرتعش وبيقطع في الكلام: “إبراهيم.. أنا آسفة، عارفة إنك بتكرهني ومش عايز تسمع صوتي، وعارفة إنك بتعتبرني مصيبة وخدعة في حياتك، بس أنا ماليش حد أكلمه غيرك بعد ما الدنيا كلها قفلت في وشي”.
رديت عليها بصوت مليان قهر وغل مكنتش قادر أكتمه: “أنتِ لسه فيكي بجاحة تتصلي بيّ؟ أنتِ وأخوكي والعصابة بتاعتكم ما كفاكمش اللي عملتوه فيّ وفي بيتي؟ أنتِ جيبتيلي خراب العش ودمّرتي حياتي وخلّيتي مراتي تسيبني وتطفش بولادي! عاوزة مني إيه تاني؟!”.
بدأت تبكي بحرقة وصوت عالي، وبكاءها مكنش تصنّع، كان فيه نبرة ضياع حقيقية: “والله العظيم أنا ماليش ذنب في كل اللي حصل! أنا كنت لعبة في إيد أخويا وأبوي وصاحبك فلان.. صاحبتك هو اللي خطط لكل حاجة من الأول، هو اللي اقترح عليهم يجوزوني لواحد ميسور زيّك عشان ياخدوا شبكة ومؤخر يسددوا بيه ديون أبوي لتاجر في البلد كان مهدد يحبسه! أنا اتغصبت على الجوازة دي تحت الضرب والتهديد، وكانوا بياخدوا مني التليفون ويخلوني أقول الكلام اللي سمعته عشان أثبت إن الشقة والورق يتكتبوا باسمي!”.
سكتت لحظة وكملت وهي بتتنفّس بالعافية: “أنا باتصل أقولك إن صاحبتك الخاين جه البلد النهاردة، ومسكت في أخويا بعد ما القعدة العرفية فضّت وعرف إن المخطط فشل وإنك قطّعت الورق. اتخانقوا مع بعض ضرب وشتائم، وصاحبتك بيهددهم إنه هيبعت للتاجر اللي عليهم فلوس يعرفه مكانهم، وأخويا ضربه وسابه ينزف في الشارع! أنا هربت من البيت النهاردة الصبح وجيت القاهرة عند واحدة صاحبتي، لأنهم كانوا عاوزين يجبروني أروح لراجل تاني كبير في السن في بلد مجاورة بنفس الطريقة! أنا حبيت أحرّك ضميري وأقولك خلي بالك من نفسك.. صاحبتك ناوي على شر، وبيقول إنه مش هيسيبك في حالك بعد ما أخد علقة وبوظت له السابوبة اللي كان هيطلع منها بفلوس!”.
الكلمات نزلت عليا زي المطرقة. الصورة اتضحت أكتر وأكتر، وعرفت إن القذارة مكنتش مجرد كذبة جوازة، دي كانت شبكة نذالة متكاملة غرق فيها صاحب عمري اللي امنته على سري ودخلته بيتي، وأنا بغبائي وشهوتي فتحت له الباب عشان يدمرني.
قلت لها بنبرة جافة وخالية من أي رحمة: “أنا مش عاوز أعرف عنك ولا عنهم أي حاجة تاني.. أنتِ وهما وصاحبي تروحوا في ستين داهية. أنا بيتي اتخرب، ومراتي سابتني، وولادي اتشتتوا، ومش فاضي لحواديتكم ولا لمشاكلكم. غوري من حياتي وما تتصليش بالرقم ده تاني أبداً!”.
قفلت الخط في وشها، ورزعت التليفون على السرير وأنا بجيب نفسي بالعافية. كان جسمي كله بياكلني من الغل. صاحبي الخاين مش بس نصب عليا وجابلي البلطجية لحد باب بيتي، ده كمان لسه ناوي على شر وبيخطط ينتقم مني بعد ما خطته المريضة فشلت في القعدة العرفية!
الغيظ والحرقة عموني. مكنتش قادر أقعد في الصالة الفاضية المظلمة دي وأنا شايف بقايا لعب ولادي وريحة سمر لسه في المكان. نزلت السارع زي المجنون في نص الليل، ومشيت في الشوارع مش عارف أنا رايح فين ولا بعمل إيه. كنت كأنني بواجه خيال صاحب الخاين في كل زاوية، عاوز ألاقيه وأطحن في عظمه وأخليه يدفع ثمن كل دمعة نزلت من عين سمر، وكل شهقة بكاء خرجت من صدور ولادي وهم ماشيين بالشنط.
فضلت ألف في الشوارع لحد الفجر، لحد ما رجلي أخدتني لبيت “الحاج حسنين”، خال سمر. وقفت تحت العمارة في البرد، ورنيت عليه من التليفون، ورغم الوقت المتأخر، الراجل رد عليا بصوت هادي ووقور.
نزلي تحت العمارة، وبص في وشي الشاحن وعيني المفهومة من العياط والسهر، وقال بصرامة: “إيه اللي جابك في الوقت ده يا إبراهيم؟ أنت مش قلت لك حسابك مع بيتك وبس؟ جاي تعوي تحت بيوت الناس ليه في الفجر؟”.
حكيت له كل حاجة، حكيت له عن مكالمة البنت، وعن اللي حصل بين صاحبي وأخوها في البلد، وعن تهديدات صاحبي الخاين إنه ناوي ينتقم مني ومن بيتي.
الحاج حسنين سمع بتركيز، وضغط على عصايته بصلابة وقال: “الندل لما ينكشف بيعض في كل اتجاه يا إبراهيم.. أنت فتحت باب القذارة بنفسك، والوسخ مش بيمشي بسهولة. بس طالما جه لحد عندي ولحد سمعة عيلتي، يبقى الحساب مش هيكون قعدات عرفية تاني.. صاحبك ده لازم يتربى ويكون عبرة، عشان يفهم إن رجالة القاهرة مش هفأ يتلعب بيهم ولا يتهددوا من عيّل بياع كلام!”.
كمل الحاج حسنين وهو بيحط إيده على كتفي بقوة، بس المرة دي كانت نبرته فيها تحذير أخير وصارم: “أنا هخلصك من التعلب ده للأبد وهخليه يختفي من حياتك وحياة المنطقة كلها بالقانون والأصول.. بس سمر وولادك قصة تانية خالص. سمر رافضة تبص في وشك، والمحامي بتاعنا بيجهز ورق النفقة والطلاق. لو أنت راجل بجد وعاوز تسترد بيتك اللي هدمته، لازم تظهر لها إنك اتغيرت، إنك بقيت راجل بيحمي بيته مش راجل بيجري ورا شهوته.. قدامك فرصة أخيرة يا إبراهيم، يا إما تجيب حق بيتك وتصلح النذالة اللي عملتها، يا إما تسلّم بالواقع وتعيش طول عمرك مكسور وعايش في الصالة الفاضية!”.
الكلمات كانت زي الوقود اللي اتصب في عروقي. بصيت للحاج حسنين وقلت له بنبرة مليانة إصرار ووجع: “أنا مستعد أعمل أي حاجة يا حاج.. مستعد أدخل الحرب دي وأطلع منها ميت أو أسترد كرامتي ورضا سمر وولادي. قل لي أعمل إيه وأنا تحت أمرك!”.
الحاج حسنين ابتسم ابتسامة خفيفة ومحسوبة، وقال بصوت واطي وهو بيبص ناحية السلم: “بكرة الصبح.. هنعمل فخ للندل ده، وهنخليه يجيب آخره برجله لحد عندنا!”.
طلع الصباح بحمل ثقيل وقاتم، لكنه كان مصحوباً بوهج غريب من الإصرار لم أعرفه في حياتي من قبل. لم أعد ذلك الرجل الضعيف الذي يساق بخيوط الشهوة والوهم؛ كنت رجلاً أدرك أنه في معركته الأخيرة، إما أن يسترد شرفه وكرامته وبيته، أو يندثر كلياً في ركام أخطائه.
اجتمعت مع الحاج حسنين ومحامٍ كفء من معارفه في مكتبه الصغير بالحي. الخطة كانت محكمة ولا تحتمل الخلل: استخدام نقطة ضعف صاحب الخائن الوحيدة، وهي الطمع والجشع. أرسلنا له رسالة نصية عبر المحامي، نبلغه فيها بأنني تحت ضغط الفضيحة والخوف من محاكم التبديد، وافقت على تسليمه مبلغاً مالياً كبيراً نقداً كـ “ترضية ووساطة” مقابل تسليم كافة الأوراق والمستندات وإمضاء إقرار قانوني بإنهاء أي مطالبيات، بشرط أن يتم التسليم يداً بيد في مكتب المحامي بالقاهرة لضمان السرية.
الخبر نزل على عقله المريض كالشهد. لم يفكر مرتين، ورأى في العرض فرصة لتعويض خسارته في البلد واقتطاع غنيمة باردة مني قبل أن يختفي. اتفقنا على الموعد في ساحة المكتب في خفايا الظهيرة.
قبل ساعة من الموعد، وقفت سمر على باب المكتب. كانت تحضر بناءً على طلب خالها الحاج حسنين لترتب بعض الأوراق الرسمية، ولم تكن تعلم أنني هناك. عندما التقاطعت أعيننا، ارتبكت وعادت للوراء خطوة، ملامحها ما زالت جداراً من الجليد الحزين. لم أنطق بكلمة، ولم أقترب؛ اكتفيت بنظرة انكسار ورجاء، وقفت بعيداً في الزاوية كمتهم ينتظر القصاص.
في تمام الموعد، دخل الخائن بخطوات متبجحة، عينيه تطوفان في المكان بحثاً عن صرة المال. كان يحمل في يده حقيبة سوداء صغيرة بها بقايا الأوراق المتبقية وبعض التهديدات المكتوبة. دخل وقال بابتسامة صفراء مليانة لؤماً: “أهلاً يا إبراهيم.. كويس إنك عقلت وعرفت إن شراء دماغك بالفلوس أرخص بكثير من الفضايح والسجون!”.
في تلك اللحظة، خرج الحاج حسنين من الأوضة الداخلية، وخلفه ضابط شرطة واثنان من رجال المباحث بالزي المدني.
تأرجحت الألوان في وجه الخائن، وتجمدت الابتسامة على شفتيه كأنها قناع من الشمع المنصهر. جف حلقوم كلامه وسقطت الحقيبة من يده. قرب الضابط منه وواجهه بتسجيلات الصوت الموثقة، وبلاغ رسمي مقدم
النصب، الابتزاز والتودد لتشكيل عصابي للتدليس المالي، بالإضافة لشهادة العروسة وأخيها التي وثقها المحامي صباحاً في محضر رسمي بالنيابة.
وضعت الكلابشات الحديدية في معصميه، وفي لحظة اقتاده رجال الشرطة ليركب سيارة الترحيلات، مر الخائن أمامي وميل رأسه للأرض في ذل وخزي لم أره فيه من قبل. خسر كل شيء في لحظة طمع، وأصبح صيداً للقانون الذي كان يهددني به.
التفتت سمر للمشهد كله، وشاهدت سقوط الشخص الذي كان سبب دمار حياتنا، وشهدت موقف خالها ورجال القانون، ثم التفتت إليّ. كانت الدموع تترقرق في عينيها، لكن هذه المرة لم تكن دموع قهر، بل كانت مزيجاً من الارتياح والدهشة من استرداد الحق، وإن كان الجرح الزوجي بيننا لا يزال ينزف.
قربت منها بخطوات ثقيلة، وقفت قدامها وقلت بنبرة صادقة خالية من أي مواربة: “أنا عارف إن اللي اتكسر بيننا صعب يتصلح بكلمة ولا بموقف.. وعارف إن ثقتك فيّ اتهزت في مقتل. أنا مش بطلب منك ترجعيلي النهاردة ولا بكرة، بس بطلب منك تدي بيتك وولادك فرصة ثانية.. أنا مستعد أقضي عمري كله أثبتلك فيه إني اتعلمت الدرس، وإني مش هفرط فيكِ ولا في بيتي تاني أبداً”.
الحاج حسنين حط إيده على كتف سمر وقالها بصوت هادي ودافئ: “الراجل أخطأ يا سمر وخسارته كانت كبائر، بس وقف وقفة رجال واسترد كرامتك وكرامة بيته وغسل العار.. والمسامح كريم لما نلمح الندم الصادق في عينين صاحبه”.
نظرت سمر إليّ ببطء، سحبت نفساً طويلاً كأنها تتنفس الحرية بعد كابوس طويل، وقالت بصوت هادئ يحمل بداية أمل جديد: “البيت هيفضل مفتوح يا إبراهيم.. عشان الولاد، وعشان عشرة السنين اللي أكلنا فيها عيش وملح.. بس السكة طويلة عشان ترجّع اللي ضيعته من قلبك قبل بيتك”.
خرجنا من المكتب، وكانت شمس العصر دافئة، أحسست لأول مرة منذ شهور أن الهواء يدخل رئتي ناهياً كابوساً كاد يبتلع كل ما أملك.
الحكمة من القصة:
إن البيوت لا تُبنى على المظاهر الجوفاء ولا تُصان بركض الأعين وراء السراب والشهوات العابرة. إن الزوجة الأصيلة التي شاركتك كفاح البدايات ووقفت معك في الضراء قبل السراء هي الكنز الحقيقي الذي لا يُقدّر بمال، وأن الانسياق وراء نصائح “أصدقاء السوء” والركض خلف فتنة الصورة والجمال الظاهري دون أصل ودين، ليس إلا فخاً ينتهي بصاحبه في القاع. الصدق والأمانة هما عماد السكن الزوجي، ومتى ما انكسرت الثقة، يحتاج المرء إلى أن يطهر نفسه بالنار ويتجرع مرارة الندم كي يعيد بناء ما دمره في لحظة طيش.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *