دوّى صوت تحطم الزجاج في مدخل العمارة كالرعد، واهتزت جدران البناية بأكملها تحت وطأة الشوم والعصي الغليظة التي كانت تنهال على الأبواب والشبابيك. والد العريس كان يقف في قلب الحارة كرجل أصابه مسّ، يحمل في يده عصا خشبية ثقيلة وخلفه أربعة من أشقائه وأبناء عمومته، وجوههم محتقنة كالجمر المشتعل وعيونهم تتطاير منها الشظايا، يسبون ويلعنون بألفاظ تخلع القلوب، ويطالبون بخروج نرمين وأبيها لرد كل قرش دُفع في الشبكة وجهاز الفرح ومصاريف القاعة التي تحولت إلى مـ،ـأتـ،ـم. عبلة سقطت على ركبتيها فوق درجات السلم، تسحب جسدها كالدودة الزاحفة محاولة الاختباء وراء ظهر زوجها، ووجهها تحول إلى لون الرماد بعدما شلتها الكلمات التي ألقيتها في وجهها عن أوراق الميراث القديمة ووفاة والد أحمد؛ كانت ترتعش كمن أصابته حمى المـ،ـو،،ت، تنظر إليّ بعينين زائغتين يملؤهما ذعر لم أعهده فيها طوال ثلاثين عاماً من الجبروت والتسلط. أما محمد، فكان يدور حول نفسه كشاة ممسوسة في حظيرة مقفلة، يمسك برأسه بكلتا يديه، يضرب الجدران بجبهته وهو يئن صوت مبحوح: "استر يا رب... استر يا رب الـ،ـفـ،ـضـ،،يـ،ـحـ،ـه، هـ،ـيـ،ـقـ،ـتـ،ـلـ،،و،نـ،ـا ويهدوا البيت على دماغنا!" ركض محمد نحو باب شقتنا مرة أخرى وحاول أن يدفع أحمد بكل ثقله ليدخل، لكن أحمد صده بيده صدة حديدية جعلته يترنح ويسقط على مقعدة السلم. نظر إليه أحمد بعينين قاسيتين وقال بصوت بارد حاسم: "بيتي ده مش ملجأ لـ،ـلـ،ـخـ،،و،نـ،ـه، وباب شقتي مش ساتر يداري بيه عارك، انزل قابل الناس اللي انت نصبت عليهم واشرب اللي انت وبنتك طبختوه بإيديكم!" في تلك اللحظة، صعد اثنان من كبار الحارة، الحاج عبد الرازق صاحب المخبز والحاج مرسي التاجر، يلهثون من صعود الدرج، ووجوههم مكفهرة من هول المشهد والهرج الذي ملأ الحارة كلها. وقف الحاج عبد الرازق ينظر إلى محمد وعبلة باحتقار تقشعر له الأبدان، ثم التفت نحو أحمد وقال بصوت يخنقه الغضب: "يا أحمد، الحارة كلها اتفضحت والشارع مقلوب، أهل الولد جايبين رجالة من عيلتهم وحالفين ما يطلع الصبح إلا والعمارة دي محروقة أو ياخدوا حقهم تالت ومتلت! انزل معانا يا راجل يا أصيل، مالناش كلام مع الراجل ده اللي فرط في عرضه وبنته، انت كبير البيت ده وانت اللي في إيدك تلم الـ،ـفـ،ـضـ،،يـ،ـحـ،ـه قبل ما الـ،ـد،،م يوصل للركب!" أحمد رمق أخاه الملقى على الأرض بنظرة خذلان أخيرة، ثم عدل ياقة قميصه وقال بهدوء: "أنا نازل يا حاج عبد الرازق، بس مش عشان أداري على خـ،ـا،،يـ،ـن، أنا نازل عشان اسم أبويا واسمي واسم بنتي اللي اتظلمت، واللي ليه حق عند النصابين دول ياخده بالقرش وبأمر الجلسة العرفية". نزل أحمد مع كبار الحارة، وتركنا محمد وعبلة يرتجفان على درجات السلم. دخلت شقتي وأغلقت الباب بالمفتاح، ووقفت خلف الباب أسمع صوت الصراخ الذي اشتعل في الطابق الأرضي. كان صوت أحمد يعلو فوق كل الأصوات، ثابتاً، رزيناً، لا يهتز له جفن. فُتحت شقة محمد في الطابق الأول ودخل رجال الحارة مع والد العريس الغاضب، وأجبروا محمد على النزول سحباً على الدرج وهو ينتحب ويستعطف، بينما هربت عبلة إلى الداخل وأغلقت على نفسها وعلى ابنتها نرمين التي كانت تصرخ وراء الباب المغلق كالمجنونة بعدما تحولت إلى جثة حية لا يسترها فستان الفرح الممزق. في صالة شقة محمد، دارت محاكمة شعبية لم تشهد الحارة مثلها قط. جلس أحمد على رأس الأريكة، وبجواره كبار الحارة، بينما وقف والد العريس يصرخ ملوحاً بإيصالات الأمانة وشيكات حجز القاعة وفواتير الشبكة الذهبية: "ميتين وخمسين ألف جنيه غير الشبكة، مش هسيب مليم واحد! وبنتك الـ،ـفـ،ـاجـ،،ر،ـه دي مش بس ردت الشبكة، دي تتجرجر في المحاكم هي وأمها اللي لبستنا العمة وضحكت علينا!" محمد كان يبكي كالنساء، يمسك بجلابيب الرجال ويتوسل إليهم أن يمهلوه شهراً أو شهرين لأنه لا يملك سيولة نقدية تغطي ربع هذا المبلغ. وهنا، نزل صوت أحمد في الغرفة كالصاعقة التي شقت الأرض: "أهل الولد ليهم حق يا رجالة، وحقهم هياخدوه الليلة دي وقبل ما حد فيهم يطلع من الحارة... محمد ممعاهوش فلوس، بس معاه نصيبه في العمارة دي، نصيبه اللي مبني على باطل!" ارتجفت عبلة خلف باب غرفتها وخرجت كالملسوعة، شعرها منكوش وتصرخ بصوت أجش: "لأ! البيت لأ! البيت ده تعب عمرنا وحق ولادي مش هياخده الغريب!" لكن الحاج عبد الرازق نهرها بصرخة زلزلت أركان الغرفة: "اخرسي يا ولية يا ناقصة رباية! بنتك اللي جابت العـ،،ار للحي كله جاية تتكلمي في حيطان؟! اتقفلي جوة وبلاش حسك يطلع بدل ما نرميكي في الشارع بهدومك دي!" التفت أحمد نحو أخيه وأخرج من جيبه دفتراً صغيراً وقلماً، ورماه في حجره وقال بحزم لا يقبل التراجع: "هتمضي دلوقتي حالاً على تنازل رسمي عن شقتك وعن نصيبك في دكاكين الدور الأرضي، نبيعهم الليلة ونسدد للراجل دينه وشبكته ومصاريفه، والورق ده هيتسجل الصبح في الشهر العقاري، يا إما يتصلوا بـ،ـالـ،ـبـ،ـو،،لـ،ـيـ،ـس وتخرج بنتك مكلبشة بـ،ـفـ،ـضـ،،يـ،ـحـ،ـتـ،ـهـ،ـا والتقرير الطبي في يد الضابط وساعتها لا هيبقى ليك شقة ولا ستر ولا حتى اسم تمشي بيه في الشارع!" محمد وقع في الفخ الذي نصبه لنفسه طوال حياته، نظر إلى والد العريس الذي رفع العصا مهدداً بنسف البيت، ونظر إلى وجوه الجيران التي لا تحمل ذرة رحمة واحدة له، فما كان منه إلا أن أمسك بالقلم بأصابع مرتعشة ووقع على التنازل الكامل عن نصيبه، بايعاً بيته ومملكته التي بناها بالخديعة والغل. استرد والد العريس حقوقه وخرج مع رجاله بعدما بصقوا جميعاً على عتبة الباب، وانفضت الجموع وبقيت الحارة تغلي بالهمس. صعد أحمد درجات السلم متعباً كأنه حارب جيشاً بمفرده، ودخل شقتنا وأغلق الباب خلفه بإحكام، ثم جلس على الأريكة وأسند رأسه بين يديه. اقتربتُ منه حنان وقبلت رأسه ويديه وهي تبكي بدموع الفرج والكرامة التي رُدت إليها، فابتسم لها أحمد بحنان ومسح على شعرها قائلاً: "حقك رجع يا بنتي، وزيادة كمان". لكنني كنت أعلم أن الجمر تحت الرماد لم ينطفئ بعد؛ فبمجرد أن سكنت أصوات الحارة بعد صلاة الفجر بساعة، سمعت خربشة خفيفة مريبة عند باب شقتنا، وصوت أنفاس تلهث في الخارج. تسللت بهدوء ونظرت من ثقب الباب السحري، فرأيت عبلة واقفة في عتمة السلم، تحمل في يدها زجاجة بنزين صغيرة وعلبة كبريت، وعيناها تلمعان بجنون شيطاني وهي تهمس لنفسها بحقد أسود: "هـ،ـمـ،ـو،،تـ،ـكـ،ـم كلكم محروقين... زي ما حرقتوا دم بنتي وطردتونا من بيتنا!" وققبل أن تشعل عود الثقاب، فتحتُ الباب فجأة في وجهها بقوة أطاحت بها أرضاً، وسقطت زجاجة البنزين لتنسكب على درجات السلم، وأمسكتها من شعرها بكل قوتي وضغطت على فمها لئلا تصرخ، وسحبتها إلى داخل شقتي بعيداً عن أعين الناس، وأغلقت الباب بالمفتاح. نظرتُ في عينيها الجاحظتين رعباً وقلت لها بهمس كالسم: "كنت مستنياكي تعملي الغلطة دي يا عبلة... عشان ادخلك الـ،ـسـ،ـجـ،،ن بإيدي مش بس على محاولة الـ،ـحـ،ـر،،ق، ده على الورقة الأصلية اللي طلعتها النهاردة من تحت البلاطة، الورقة اللي هتثبت إنك أنتي اللي سممتي أبو أحمد زمان علشان تاخدي توكيله، وحـ،ـبـ،ـل الـ،ـمـ،ـشـ،،نـ،ـقـ،ـه هو اللي هيلم شملك أنتي وبنتك الليلة دي!" كتمتُ أنفاسها بيدي بكل ما أوتيت من قوة حتى كادت عيناها تقفزان من محجريهما، وكانت أطرافها ترتعد وتضرب الأرض كذبيحة تلفظ أنفاسها الأخيرة في عتمة الصالة. رائحة البنزين النفاذة كانت قد تسللت من تحت عقب الباب لتملأ مدخل الشقة، ورائحة المـ،ـو،،ت والغدر كانت تفوح من مسام هذه المرأة التي أكل الغل قلبها حتى أفقده بشريته. المصدر: منصه بوف نيوز — https://story2034.zbuef.online/article/4348