التكييف حكايات روماني مكرم 3

أمسك محمود بالورقة الرسمية التي سلمها له مُحضر المحكمة، وكانت يداه ترتجفان لدرجة أن سطر العناوين والختم النسري الأحمر بدا أمامه كموجة متلاطمة من الحبر الأسود. كانت محاولة التشهير بعبير في مقر عملها خطوة غير محسوبة دفعته إليها أمه بغرورها وطمعها، ظناً منهما أن الضغط الاجتماعي والفضسحة الوظيفية سيكسران كبرياء عبير ويعيدانها جارية مطيعة تُسلم مرتبها وأجهزتها وتصمت. لكن السحر انحرف ليصيب الساحر، وأصبحت الواقعة موثقة بشهادة أمن الشركة ومدير الفرع وكاميرات المراقبة التي سجلت الاقتحام بالصوت والصورة.
نزل محمود إلى شقة أمه بخطوات هائمة، يجر قدميه جراً. كانت “أم محمود” تجلس في الصالة تجرع كوباً من الشاي المغلوع وتتبادل أطراف الحديث مع جارتها “أم صابر” التي جاءت لتستكشف أبعاد التي هزت العمارة والشارع بالأمس.
ألقى محمود الورقة على الطاولة الإستيل الوسطى بصوت ارتطام جاف، وقال بصوت مكتوم خنقته الحسرة:
* أهي دي آخرة أفكارك يا أمي! أهي دي النتيجة اللي وصلنا لها بعد ما استمعت لكلامك وروحت أعمل شو في شركة البنت! محضر رسمي بالتعدي والتشهير، ودعوى حبس، والقضية اتحولت للجلسة بسرعة الصاروخ!
رفعت أم محمود حواجبها بجلمدة واستعلاء، وأزاحت الجارة بنظرة قاسية قبل أن ترُد بنبرة لا تخلو من حدة:
* جرى إيه يا محمود؟ أنت بترتعش قدام ورقة محضر؟ هي البت دي كانت مين ولا أبوها كان مين عشان يقدروا يعملوا لك حاجة؟ دي شوية ورق بيخوفوك بيها عشان ترجع تترجاهم وتجيب لها التكييف والميكرويف فوق جزمتها!
صرخ محمود لأول مرة في حياته بوجه أمه صرخة خرجت من أعماق صدره المقهور، حتى جفلت الجارة وقامت تنسحب في صمت:
* حررررام عليكِ بقى! حرام عليكِ خربتِ بيتي وضيعتِ كرامتي! عبير مش راجعة، عبير معاها شركة كاملة بشهودها، ومعاها محامي مش ب يرحم، وأبوها وراها بفلوسه وعيلته! أنا شغلي في الحكومة وممكن أترفض أو أتسجن لو الصدر ضد أحكام نهائية بتهم التشهير والسرقة! أختي سمر خدت الميكرويف وقعدت في بيتها مع جوزها مكرمة، وأنا اللي ب ادفع الثمن لوحدي!
خرج محمود مسرعاً من الشقة وترك أمه تبرطم وتصيح في فراغ الصالة. صعد إلى شقته المهجورة، الشقة التي كانت منذ أسبوع واحد فقط تغمرها الدفء وريحة الأكل الطيب وصوت عبير وهي تنظم الديكورات بعد عودتها من الشغل. فتح الصالة، النظر إلى المكان الفارغ على الرخامة في المطبخ حيث كان الميكرويف، وإلى السلك المتدلي من الحائط حيث كان التكييف يرسل برودته المنعشة. أظلمت الدنيا في عينيه، وقعد على الأرض وسند رأسه بين يديه.




