التكييف حكايات روماني مكرم 3

خرجت عبير من مبنى المحكمة برفقة أبيها الحاج عبد الله، والشمس تسطع في السماء دافئة ومنعشة. تنفست الهواء النقي بأعماق رئتيها، وكأن كابوساً مظلماً دام لستة أشهر قد انزاح عن صدرها إلى الأبد.
قالت لأبيها وهي تبتسم بابتسامة صافية لأول مرة منذ أشهر:
* الحمد لله يا بابا.. حق شقاك وشقايا رجع، وكرامتي اتردت قدام الدنيا كلها.
ابتسم الحاج عبد الله وطبطب على يدها بحنية أصلية:
* الحمد لله يا بنتي.. البيت اللي ما يتنيش على أصول وكرامة، الفراق فيه نجاة. أنتِ عفيفة وشقية وبكرة ربنا يعوضك بأفضل منه مليون مرة.
لكن الأحداث لم تنتهِ تماماً بالنسبة لمحمود وأمه؛ فعندما عاد محمود إلى بيته وهو يحمل وثيقة الطلاق وخسارة أمواله وحقوقه وخزيه أمام الناس، دخل شقة أمه التي كانت تنتظره بلهفة.
أول ما شافته أمه، جرت عليه وهي تقول:
* محمود! يا حبيبي خرجت إزاي؟ والبت دي أخدت إيه؟
ألقى محمود وثيقة الطلاق وأوراق الاسترداد والاعتذار في وجه أمه، وصرخ بصوت هز العمارة كلها:
* أهي دي آخرة طمعك يا أمي! أهو بيتي اتخرب، ومراتي طارت، وفلوسي راحت، ووقعت اعتذار رسمي بمسح بكرامتي الأرض عشان ما أتسجمش! أختي سمر خاد الميكرويف وقعدت في بيتها مع جوزها، وأنا اللي اتقطم ظهري وضاع مستقبلي! الشقة دي أنا مش قاعد فيها تاني، وسيبها لك تطردي فيها التكييف والحيطان زي ما أنتِ عاوزة!
ترك محمود الشقة وخرج يجر خيبته وندمه، بينما قعدت أم محمود في صالة شقتها الفارغة، تتطلع في الحوائط الباردة، لا تجد ميكرويف، ولا تكييف، ولا ابناً يسندها، ولا كرامة تبقت لها أمام الجيران وأهل المنطقة.
أما عبير، فقد عادت في اليوم التالي إلى عملها بكرامة مرفوعة ووجه مشرق. سلمت وثيقة الاعتذار الرسمية لمديرها الأستاذ سامح الذي استقبلها بكل احترام وتقدير، وعادت لممارسة حياتها وعملها بكل نجاح وقوة، مؤمنةً بأن شقاء الإنسان وكرامته هما أغلى ما يملك، وأن من يفرط في أمانة بيته لا يستحق أن يكون شريكاً في العمر.



