التكييف حكايات روماني مكرم 3

على الجانب الآخر من الممر، كانت عبير تقف بوقار وثبات بجانب أبيها الحاج عبد الله والأستاذ هشام المحامي، وبعض أقاربها. لم تكن ترتدي أياً من الزينة، بل كانت ترتدي عباءة كحيلة أنيقة وحجاباً أبيض هادئاً، وعلى وجهها ارتسمت ملامح الصبر والأنفة التي لم تستطع أوجاع الستة أشهر الماضية أن تكسرها.

حاول محمود أن يجمع شتات نفسه، وقام من مقعده بخطوات متثاقلة، ومشى نحو الحاج عبد الله، ثم انحنى قليلاً متوسلاً بنبرة صوت خافتة ومكسورة كادت لا تُسمع:

* يا حاج عبد الله.. أرجوك اديني فرصة أتكلم معاك على جنب.. كلمة واحدة بس قبل ما القاضي ينطق بالحكم.

نظر إليه الحاج عبد الله بنظرة حزن وأسى على ما آلت إليه الأمور، لكنه لم يظهر أي ضعف، وكسر الصمت قائلاً بصوت صارم:

* الكلام بيننا انتهى من اليوم اللي سمحت فيه لأهلك يقللوا من بنتي ويستبيحوا شقاها يا محمود. أنت اخترت طريق المحاكم من الأول لما افتكرت إن عبير ملهاش ظهر يدافع عنها.

تدخل محمود وبدأت دموعه تتجمع في عينيه:

* والله العظيم أنا اتظلمت واتعميت! أمي ضغطت عليا، وأنا استغبيت ولحظة غضب وطيش ضيعت مني كل حاجة حلوة! أنا مستعد أكتب لها الشقة باسمها، ومستعد أعتذر لها قدام الشركة كلها وأبوس رأسها ورأسك، بس بلاش يدور عليا حكم يحبسني أو يضيع مستقبلي في الوظيفة.. عبير مراتي وأنا بحبها وما أقدرش أعيش من غيرها!

سمعت عبير كل كلمة قيلت، لكن قلبه لم يتحرك فيه ساكن. رفعت رأسها ونظرت في عينيه بثبات يقطع كل أمل لديه، وقالت بصوت هادئ ونبرة حاسمة كالسيف:

* اللي بيحب حد ما بيفضحوش في شغله يا محمود.. اللي بيحب حد ما بيدخلش أهله يسرقوا حاجته من ورا ضهره.. اللي بيحب حد بيبقى سنده ومش السكين اللي تذبحه! الاعتذار ما بيرجعش الثقة اللي اتمحت، وما بيرجعش الأيام اللي نمت فيها مدمعة ومقهورة بسبب طمع أمك وضعفك قدامها. أنت ما حبنيش، أنت بس خايف على شغلك ومستقبلك من الحكم!

في هذه اللحظة، خرج حاجب المحكمة بصوته الجهوري المعتاد يصرخ في الممر:

* محكمة! جلسة محكمة جنحة التشهير وتبديد المنقولات الخاصة بالمدعية عبير عبد الله ضد المدعى عليه محمود أحمد!

انتقلت القوافل والناس إلى داخل القاعة، وساد الصمت التام المكان، حتى أن صوت أنفاس المتواجدين كان مسموعاً. اعتلى القاضي المنصة، وقعد خلف منصته العالية وعلى وجهه الوقار، وقلب في أوراق الملف الضخم الذي استقرت فيه المستندات، وفيديوهات الكاميرات، وفواتير التقسيط، وشهادات أفراد الأمن والمدير.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *