خطيب بنتي حكايات زهرة الربيع ٤

انهار الجدار أخيراً وفتح فجوة مظلمة موحشة، فسلط رجال الأدلة الجنائية الكشافات القوية داخل البدروم الضيق، ونزل فريق المباحث بحذر وهم يرتدون الكمامات الواقية. لم يمضِ سوى ربع ساعة من النبش وإزالة الردم والتراب في الزاوية الغربية أسفل صبة العمود الخرساني، حتى صرخ أحد أفراد الأدلة الجنائية بصوت متوتر: “لقينا كيس بلاستيكي مدفون تحت البلاط… وفي عظام بشرية كاملة ومعاها مصاغ دهبي قديم!”عم الوجوم والصدمة المكان كأن ملك الموت دخل الحارة برمتها.
أخرج رجال الشرطة رفات الجثة بحرص، جمجمة صغيرة وعظام قفص صدري بالية، وبقايا قماش فستان كحلي باهت كان الجميع في العائلة يعرف أن “صفية” كانت ترتديه في آخر يوم شوهدت فيه، وبجوار الرفات كانت هناك أسورة ذهبية محفور عليها اسم “صفية رضوان”، الخاتم والأسورة التي ادعت عبلة يومها أن الفتاة سرقتهما وهربت بهما!أحمد لم يحتمل المشهد، فجثا على ركبتيه في تراب المدخل، يمسك بجمجمة أخته المغدورة ويضمها إلى صدره وينتحب كطفل رضيع ذُبح أهله أمامه، والرجال من حوله يبكون لمصابه ولهول الفاجعة التي انكشفت بعد ثلاثين عاماً من الكذب والبهتان.
يمة ومواجهتها بالاعترافات والرفات المستخرجة. كانت عبلة بملابس السجن البيضاء الممزقة، وجهها مصفّر كالأموات، وعيناها تدوران في ر. عب مطلق حين رأت جمجمة صفية وأسورتها الذهبية فوق طاولة الفحص الجنائي، ورأت زوجها أحمد يبكي دماً على عتبة الباب. لم تستطع الوقوف على قدميها، بل انهارت وسقطت على الأرض تزحف تحت نظرات مئات العيون من أهل الحارة الذين أخذوا يرجمونها بالبصاق واللعنات والشتائم كأنها شيطان أُرجم في وضح النهار. وقف وكيل النيابة أمامها ونظر إليها بحدة وصرامة وقال بصوت كالرعد: “المتهمة عبلة… بنتك نرمين اعترفت في المستشفى قبل ما تدخل العمليات بكل حاجة، وطارق شريكها اعترف بتدبير واقعة الخ.
طف والتهديد بمية النار، وادي جثة صفية رضوان اللي قولتوا إنها هربت من تلاتين سنة طلعت من تحت طوب البدروم اللي بنيتوه بإيديكم! عندك إيه تقوليه قبل ما نوجهلك تهمة الق. تل العمد مع سبق الإصرار والترصد والتزوير وإخفاء جثة؟!”نظرت عبلة إلى الرفات، ثم نظرت إليّ وأنا أقف بجوار ابنتي حنان التي كانت تحتضن أباها المنكوب، وفجأة، تحولت نظرة الرعب في عيني عبلة إلى هستيريا جنون مطبق؛ ضحكت بصوت عالٍ مجنون ملأ الشارع كله، ضحكة متقطعة تشبه نعيق الغربان، وبدأت تنتف شعرها وتلطم صدرها وتصرخ بأعلى صوتها: “أنا مق.



