خطيب بنتي حكايات زهرة الربيع ٤

محمد مش غبي، ومش هيهرب برة البلد بشنطة الدهب قبل ما يخلص على الحاجة الوحيدة اللي كاسرة عينه! محمد رايح شقة الهرم… شقة خالتنا القديمة اللي كان شاريها من ورايا بفلوس صفية أختي بعد ما ق. تلوها ودفنوها تحت البلاط! الشقة دي هي اللي فيها الخزنة الحديد، وفيها جواز السفر المزور اللي كان مجهزه من سنين لو حبل المشنقة قرب من رقبته!”ركبنا سيارات الشرطة أنا وأحمد برفقة وكيل النيابة والضابط عصام وفريق العمليات الخاصة، بينما تم اقتياد عبلة في سيارة الترحيلات تحت وابل من حجارة ولعنات أهالي الحارة الذين تبرأوا منها ومن نسلها إلى يوم الدين.
انطلقت السيارات تنهب الأرض نهباً وتطلق ساريناتها المدوية عبر شوارع القاهرة التي كانت قد بدأت تستيقظ وتزدحم بالحركة. جلستُ في المقعد الخلفي بجوار أحمد، يدي تقبض على يده الباردة كالثلج، وعيني معلقة بالطريق؛ لم أكن خائفة، بل كنت أشعر أن يد العدالة الإلهية هي التي تقود هذه المعركة خطوة بخطوة، وأن كل قطرة دمع سالت من عين حنان بنتي، وكل ليلة قهر عاشها أحمد مخدوعاً في أخيه، كانت تدفع بهذا الخائن إلى حتفه المحتوم.
وصلنا إلى شارع جانبي هادئ متفرع من شارع فيصل بالهرم، توقفت سيارات الشرطة على مسافة آمنة دون إطلاق صفارات الإنذار حتى لا يشعر الهارب بأي حركة غير طبيعية. كانت البناية قديمة ومكونة من ستة طوابق، واجهتها باهتة لا توحي بأن بداخلها كنزاً مسروقاً من دماء الموتى وعرق المظلومين. تسللت قوات العمليات الخاصة بأسلحتهم الرشاشة والسترات الواقية عبر مدخل البناية، وصعدنا خلفهم بخطوات حذرة تحبس الأنفاس، حتى وصلنا إلى الطابق الرابع أمام الشقة رقم (12).
كان باب الشقة موارباً بضعة سنتيمترات، وضوء خافت ينبعث من صالة الاستقبال، ومعه صوت حركة متوترة وسريعة، صوت تكسير أقفال حديدية وحشرجة أنفاس لاهثة. تقدم الضابط عصام وأشار للفرقة بالاستعداد، وبضربة قدم احترافية واحدة، اقتحم رجال الشرطة الباب وسقطت الدرفة الخشبية لتصطدم بالجدار بعنف مدوٍ، وصرخ الضباط بصوت واحد كالرعد: “أثبت مكانك! ارمي السلاح ونزل إيدك على راسك!”في منتصف الصالة، كان محمد يقف مذهولاً، جاحظ العينين كشيطان حُوصر في قفص من نار.
لم يكن مشلولاً ولا عاجزاً كما ادعى في المستشفى، بل كان يقف على قدميه بكامل قواه، يرتدي ملابس رثة ملطخة بالغبار، وفي يده اليمنى فرد خرطوش مصوباً نحو الباب، وبيده اليسرى حقيبة جلدية عتيقة مفتوحة تلمع من داخلها سبائك ذهبية ورزم من الدولارات وعقود أراضٍ قديمة صفراء. حين وقعت عيناه على أحمد، ارتد محمد خطوة إلى الوراء واهتزت يده التي تحمل السلاح، وخرج صوته كفحيح الأفعى المخنوقة: “أحمد؟




