مرات المدير أماني السيد ٢

الثقة المطلقة اللي كانت عندها اتشرخت. بدأت تلاحظ إن يوسف مش طبيعي، سرحان طول الوقت، عصبي، وكل شوية يبص في تليفونه كأنه مستني مكالمة من حد مش راضي يرد عليه. في يوم، صفا دخلت عليه المكتب من غير ما تخبط، ولقته ماسك الشاشة وبيبص في أرقامي المسجلة باسم وهمي، وبيبعت رسالة اعتذار ورجا جديدة. مسكت التليفون من إيده بالعافية، وقرأت الرسايل..البيت والشركة قاموا وما قعدوش.

صفا صرخت فيه وعرفت إن كان في حاجة مخبية، وإن البنت اللي كانت فاكراها مجرد “موظفة” كانت واخدة مكانه تانية خالص في حياته، وإن يوسف كان بيستغل الكل وبيستغفلها هي وباباها عشان يحافظ على مصالحه. النتيجة كانت كارثية على يوسف.. والد صفا قرر يسحب الشراكة بالتدريج ويقلل صلاحيات يوسف في الشركة لحد ما بقى مجرد اسم صورى بلا سلطة فعلية.

وصفا فسخت الخطوبة بعد ما حسيت إن يوسف كان واخدها هي وفلوس باباها كارت جوكر، وإن الشخص اللي ساب مراته وضحى بكرامتها عشان القرشين، ممكن يبيع أي حد في أول ملف خسران. يوسف خسر كل حاجة في وقت قياسي.. خسر بيته، ومراته اللي كانت صايناه وحباه بصدق، وخسر شغله وهيمنته، وحتى صفا اللي كان عامل حسابها وحساب باباها، سابته مكسور ومطأطأ الرأس في نص الطريق. أما أنا.. فكنت متابعة الأخبار بتوصلني من بعيد لبعيد عن طريق زملاء قدامى، بس الأنباء دي ما بقتش تحرك فيا شعرة. لا شماتة ولا فرحة..

كان مجرد تأكيد على إن ربنا ما بيبسبش حق حد، وإن اللي ينكر الجميل ويبني سعادته على كسر غيره، لازم يقع في نفس الحفرة اللي حفرها بنفسه. في يوم من أيام الشتاء الباردة، وبعد مرور شهرين كاملين على رجوعي لمحافظتي، كنت نازلة من مبنى الشركة الجديدة بعد يوم شغل طويل ومثمر. أول ما خطيت عتبة الباب الخارجي، وقفت رجلي في مكانها..كان يوسف واقف جنب عربيته على الرصيف المقابل.

ملامحه كانت متغيرة تماماً؛ باهت، خسس، وعينيه فيها كمية انكسار ورجا عمره ما كان بيعرفهم زمان. أول ما شافني طالعة، رمى سجايته وسارع بخطواته ناحيتي وكأنه خايف اختفي من قدامه. وقفت في مكاني ببرود تام، حاطة إيدي في جيوب بالطوي، وبصيت له بثبات. قرب مني وصوته كان بيرتعش، ونبرة الكبرياء والغرور اللي كانت فيه زمان اختفت تماماً:— “أنا عارف إن ماليش عين أقف قدامك.. وعارف إن اللي عملته فيكي ما يغتفرش، بس أرجوكي يا… اسمعيني للمرة الأخيرة، أديني خمس دقائق بس.”أخدت نفس هادي وقولتله بنبرة جافة ومستقيمة:— “قول اللي عندك يا يوسف، مع إن مفيش كلام بيننا يتقال.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *