جالي ميراث حكايات رشا خالد ٢

أغلقتُ الهاتف ورنينه المكتوم من كريم يملأ أركان الغرفة دون أن يهتز لي جفن. لأول مرة منذ ست سنوات، نمتُ ملء جفوني، نومًا خاليًا من الخوف من تقطيب حواجب حماتي، أو السعي لإرضاء زوجٍ لم يرني يومًا سوى ظلٍ باهت في حياته.
في تمام الثامنة صباحًا، كنتُ أجلس في مكتب الأستاذ هشام المحمدي. كان الرجل يجلس خلف مكتبه الخشبي الضخم، يقلّب في أوراق الميراث الجديدة بحرص، وأمامه كوب الشاي بنكهة الميرمية.
رفع رأسه ونظر إليّ عبر نظارته الطبية، ثم قال بجدية صلبة:
“ندى… الوضع أعقد وأخطر مما تتخيلي. التوكيل الذي استخدمه كريم لطلاقك كان توكيلاً عامًا أدريًا وماليًا قمتِ بتصديقه له منذ أربع سنوات لشراء الشقة القديمة. استغله في الطلاق، وهذا شق أحوال شخصية وسهل الإثبات أنه طلاق بغير علمك لحفظ حقوقك الشرعية.”
ثم سكت قليلاً، وضرب بيديه على ملف آخر كان أمامه:
“لكن المأساة الحقيقية في الأوراق التي وقّعتِ عليها قبل طلاقك بأيام!”
شعرتُ برودة تسري في أطرافي، وسألته:
“ما تلك الأوراق يا أستاذ هشام؟”
تنهد وقال:
“كريم ومجلس إدارة شركة الشناوي للأدوية تورطوا في شحنة مستلزمات طبية غير مطابقة للمواصفات، ومحاضر البنوك أثبتت وجود ديون متأخرة بـ 45 مليون جنيه. الورق الذي وقّعتِ عليه كان قرار تعيينك كـ ‘رئيس مجلس إدارة شركة توريدات ثانوية’ تابعة لهم، مع كفالة شخصية منك لكل ديون الشركة لدى البنوك!”
اتسعت عينيّ صدمة، وقفتُ من طولي وقلتُ بصوت متهدج:
“يعني… هو كان بيلبسني القضايا والديون كفيل شخصي، ولما ضمن الأوراق طلقني عشان لما الشركة تقع، يتحفظوا على أملاكي أنا، وهو يخرج سليم؟”
رد المحامي بثبات:
“بالضبط! كان مخططًا متقنًا… لو لم يظهر ميراث الـ 100 مليون جنيه أمس! كريم كان يظن أنكِ لا تملكين شيئًا، وعندما تُطالبك البنوك بالـ 45 مليونًا، ستدخلين السجن أو تعلنين إفلاسك بينما هو بعيد عن الشبهات. لكن ظهور 100 مليون باسمك أربك حسابه تمامًا، لأن البنك الآن يستطيع التحفظ على الميراث فورًا فور تسجيله رسمياً لنسداد الديون!”
أحسست بدوار خفيف، لكنني مسكتُ طرف المكتب بصلابة. الضحكة الهستيرية التي انتابتني في الشهر العقاري عادت لتهمس في أذني… الحظ لم يكن يعوضني فقط، بل كان ينصب لهم فخًا أوقعتهم فيه أطماعهم.





