عزومة عائلية حكايات روماني مكرم ٣

“جهزت نفسي للمعركة الأخيرة، وعارفة كويس إن القاضي العادل مش هيسمح للظلم يرجع يدق بابي تاني.. وتفتكروا سيد هيعمل إيه لما يشوفني قدامه في قاعة المحكمة وأنا في أحسن حال وهو في قاع الانهيار؟يوم جلسة الاستئناف، الشمس كانت ساطعة في سماء القاهرة، ونورها منعكس على زجاج عربيتي وأنا سايقة بنفسي لحد محكمة الاستئناف. مبقاش عندي أي ذرة خوف أو رهبة؛ الأيام والصعاب اللي عشتها صنعت مني حديد مبيتعوجش.
دخلت من بوابة المحكمة ومعايا الأستاذ رمزي محاميّ وتارا اللي كانت دراعي اليمين من أول يوم للحكاية. قاعة الاستئناف كانت واسعة ومزدحمة بأصوات المحامين والملفات، وقفنا في المكان المخصص، وبعد لحظات، دخل الحرس وبصوتهم العالي نادوا على رقم القضية. ومن باب قفص الاتهام، ظهر “سيد”.منظره كان أصعب بكتير من المرة اللي فاتت. سنتين السجن والكسرة وهجران أخته اللي باعته طحنوا ما تبقى منه.
شعره الأبيض كسى رأسه، ووشه دبل تماماً، وعينيه التائهة كانت بتلف في القاعة كأنها بتدور على طوق نجاة وسط بحر ميت. أول ما وقعت عينه عليا، وانا واقفة بثبات وبدلة العمل الرسمية وشعري المربوط باحتراف، حسيت كأنه شاف عفريت مش بني آدم. عيونه اتسعت بصدمة، وتحرك خطوة لقدام جوه القفص وكأنه عايز ينطق، بس عساكر الحجز منعوه بقسوة. نادى القاضي بوقاره المعهود، وساد الصمت في القاعة.
طلب القاضي من سيد الكلام عشان يشرح التماسه. سيد بلع ريقه بصعوبة بالغة، وطلع صوته متحشرج ومكسور، كأنه بيطلع في الروح:”يا فندم.. أنا مظلوم.. أنا كنت مغيب وتحت ضغط أختي، ومارينا دي عشرة عمري ومراتي.. أرجوك يا فندم، ارحمني، رجعلي بيتي وحياتي، أنا توبت والله العظيم توبت!”القاضي بص لملفات القضية ببرود، وبعدين رفع عينه وبص له وقال بصوت قاطع:”الملف بيقول إنك اعتدت على زوجتك بوحشية، وتسترت على شبكة نصب وتزوير، وإن الخلع تم بحكم قاضٍ بات بناءً على رغبتها ومستندات رسمية لا غبار عليها.
. والالتماس مرفوض شكلاً وموضوعاً!”كلمة “مرفوض” نزلت على ودن سيد زي الصاعقة. سقط على ركبه جوه القفص، وحط إيده على راسه وبدأ يعيط بانهيار تام، بينما نجلاء أخته اللي كانت في قضية تانية في نفس القاعة أو بعيدة عنه، كانت خلاص اتشطبت من حياته تماماً وما سألتش فيه أصلاً. قام الأستاذ رمزي، وقدم للمحكمة مذكرة نهائية بتثبيت كافة حقوقي المدنية، ورفض أي تعويض أو طعن مقدم من المدعو، والقاضي وافق عليها واعتمدها نهائياً.





