عزومة عائلية حكايات روماني مكرم ٣

سنين بتمر وكأنها دقيقة واحدة.. في شقتي الجديدة في التجمع الخامس، كنت قاعدة على الكنفة الواسعة، باصة على اللاب توب بتاعي وأنا براجع أرقام شركتي الجديدة لتصميم الديكور، الشركة اللي بنيتها بفضل ربنا وبشقايا اللي محدش قدر ياخده مني. النسايم الهادية كانت بتدخل من البلكونة، وفي إيدي كوباية نسكافيه دافية.. من غير قهوة مغلية، ومن غير صيرخ وجع، ومن غير ذكريات سودا.

تارا دخلت عليا المكتب وفيل إيدها ملفات جديدة، وقالت بابتسامة واسعة:”يا باشمهندسة مارينا.. العميل الجديد بتاع ڤيلا ميفيدا وافق على التصميم النهائي، وعايز يبدأ التنفيذ بكرة الصبح!”رفعت عيني عن الشاشة وضحكت: “ده العميل الثالث الشهر ده يا تارا! الشغل ماشي لوحده الحمد لله، وبقيت بحس إن كل تعب السنين اللي فاتت كان مجرد تمهيد عشان أقف على رجلي بجد.”قعدت تارا قدامي وسألتني بنبرة فيها شوية فضول: “صحيح.

. مجاش في بالك أبدًا.. إيه اللي حصل لسيد ونجلاء بعد القضية؟ أخبارهم إيه في السجن؟”بلعت ريقي وسكتت ثواني، كأني بسترجع صور الماضي البعيدة اللي بقت تخص واحدة ثانية غيري. هزيت راسي بهدوء ورديت:”آخر أخبار جابتها لي المحامي من شهر تقريباً، إن القضية الكبيرة بتاعت النصب وتبييض الأموال لبستهم هما الاتنين بجد.

نجلاء أخدت خمس سنين سجن مشدد بعد ما الهيئة اكتشفت إنها كانت المدبرة الأساسية للجمعيات الوهمية، وسيد.. أخد ثلاث سنين عشان تورطه وتسترّه على الجريمة وإيصالات الأمانة اللي على بياض. والأغرب من كده إيه؟”تارا باهتمام: “إيه؟””إن نجلاء في آخر جلسة طعن، لما لقت الحبل بيضيق عليها أكتر، اعترفت على سيد بكل التفاصيل وطلقت منه غيابياً، وقالت للقاضي حرفياً: ‘هو اللي باعني والمفروض يشيل الليلة لوحده’!

يعني القصر الوهمي اللي بنوه على طمع الناس وغدري تداعى على دماغهم هما الاتنين.”تارا حطت إيدها على بوقها بذهول وقالت: “سبحان الله.. اللي يخون العيش والملح، ملوش أمان لا في أخ ولا في زوج! بس بجد، أنا فخورة بيكي يا مارينا.. إزاي قدرتي تحولي القهوة المرة دي لطاقة نجاح وقوة تخليكي تسيبي كل ده وتبني الإمبراطورية دي لوحدك.

“قمت من على الكرسي، وفتحت باب البلكونة، وبصيت على الشارع الحيوي المليان بالحياة والناس الطيبة اللي بتسعى بجد، وقلت بصوت هادئ ومستقر:”القهوة المرة يا تارا.. أحياناً بتبقى أقوى دواء للي نايم في عسل المغفلين. وجع خدي ورقتي الطلاق كانوا أطهر صفعة فوقتني وعرفتني إن روحي وكرامتي أغلى بكتير من أي راجل خان أو أخت طماعة. أنا خرجت من الحكاية دي خالية الوفاض من الأشباح، لكن كسبت نفسي.. ودايماً اللي يكسب نفسه، بيكسب الدنيا كلها.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *