جاري الغريب حكايات رشا ٢

الجملة الأخيرة نزلت على الصالة زي الصاعقة. البنات كلهم اتجمدوا في مكانهم، والعلب البلاستيكية اللي على الترابيزة انعكس عليها نور اللمبة الباهت كأنها مقابر صغيرة.

ندى وقعت الشوكة من إيدها على الأرض، وصوتها طلع مهزوز ومرعب وهي بتقول:

— “حـ… لحمة مين يا عم طنطاوي؟ إنت بتقول إيه؟ بتهزر صح؟ هزارك تقيل قوي النهاردة!”

عم طنطاوي ممسكش نفسه من الضحكة، بس ضحكته كانت غريبة، صوت أجش وناشف بيطلع من صدره كأنه طالع من بير عتيق. عينيه الضيقة اتملت بشر دافن وهو بيبص لسارة وهبة ومنار اللي بقوا شبه ميتين من الخوف.

— “هزار؟ أنا؟ طول عمري راجل جاد يا بنات.. والبنات اللي سكنوا هنا قبليكم.. سكنوا برضه، وكانوا بيدوروا على الشقق الرخيصة، وكانوا فاكرين إنهم أذكى مني، وإنهم يقدروا يلموا هدومهم ويمشوا في نص الليل من غير ما يدفعوا تمن اللي خدوه.”

سارة رجعت لورا خطوة لحد ما ظهرها خبط في الحيطة، وعينيها دمعت وهي بتبص للباب المقفول:

— “إنت… إنت عملت فيهم إيه؟!”

عم طنطاوي قرب خطوة تانية، وبص للعلب وقال بصوت هادئ ومقشعر للبدن:

— “عملت فيهم اللي المفروض يتعمل مع اللي يجحد خير صاحب البيت.. العجل اللي دبحته النهاردة يا بنات.. مكنش عجل عادي، ده كان تمن الغدر اللي دفعوه.. وكل واحدة فيكم لازم تاكل لقمة منه، عشان تبصموا بالعشرة إنكم بقيتوا جزء من البيت ده للأبد، لا خروج ولا هرب، واللي يفكر يهرب.. مصيره يبقى في الكيس اللي جاي.”

منار انهارت تمامًا وقعدت على الأرض وهي بتعيط بصوت عالي وبتصرخ:

— “أنا عايزة أروح! أنا مليش دعوة! سيبني أخرج والنبي يا عم طنطاوي وأنا أسيب لك الشقة وكل فلوسي!”

عم طنطاوي بص لها باحتقار وقال:

— “محدش بيخرج من ملكي.. الشقة دي اتأسست على اسمي، وكل حائط فيها شيفكم وسمعكم. يلا يا ندى.. ابدئي إنتي.. هاتي حتة من العلبة دي وكليها قدامي، وخليني أشوف الشجاعة اللي كانت عندك من شوية.”

ندى بكت بصوت مكتوم وبصت لعلبة اللحمة برعب شديد، ورفعت إيدها وهي بتترتعش كأنها بتمد إيدها على سم حقيقي.

أما أنا، فكنت واقفة جنب باب أوضتي، ويدي جوه جيب الجاكت ضاغطة بكل قوة على زرار إيقاف التسجيل في الموبايل، وعقلي بيشتغل بسرعة البرق. الشقة مقفولة، والمفتاح معاه، والشبابيك في الدور الخامس عالية ومستحيل النط منها، بس أنا كنت عارفة حاجة هما مش واخدين بالهم منها.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *