بعت دهبي حكايات زهرة ٤

فتحت مريم عينيها بذهول وقالت بصوت متهدج:
* “بس… بس أنا معيش مستندات قوية، وكل فلوسي اتحولت لحسابه كاش من غير شهود!”
ابتسمت بابتسامة واثقة، وفتحت أدراج مكتبى وأخرجت ملفاً خاصاً يضم نماذج قانونية، وإرشادات واضحة، ور(قم هاتف محامٍ قدير يتعاون معنا دائماً في قضايا تمكين المرأة وحماية حقوقها المالية، وقلت لها:
* “اسمعي خطة الشغل دي كويس… أول خطوة، هتبلغي عن تحويل الأموال بالرقم البنكي وتسحبي كشف حساب رسمي يثبت خروج الفلوس من حسابك لدخول حسابه في نفس تاريخ شراء الشقة. تاني خطوة، هتروحي للمحامي ده فوراً، وهنرفع قضية نصب وتبديد ومطالبة بكامل الحقوق والمؤخر وثمن الميراث، وتالت خطوة… هتسيبي بيت العيلة مرفوعة الهامة، وتقعدي في شقة أهلِك مؤقتاً لحد ما نرجعلك حقك بالقرش والصاغ وأنتِ حاطة رجل على رجل!”
لم تصدق مريم أذنيها، وعلت وجهها ومضة أمل قوية، ووقفت لتقبل رأسي بامتنان وهي تبكي دموع الفرح والتشجيع، وقالت:
* “أنا مش عارفة أقولك ايه يا أستاذة نوال.. إنتي مش مجرد صاحبة مشروع، إنتي طوق نجاة لكل ست مفكرة إن الدنيا خلصت!”
ودعت مريم، وتابعت حالتها خطوة بخطوة بنفسي؛ حيث وفرت لها الدعم القانوني الكامل، وساعدتها في استرداد كامل حقوقها المالية وشقة مستقلة تسكن فيها مع طفلها بعيداً عن جحيم بيت العيلة، لترى بنفسها كيف يتحول الظالم إلى ذليل، وكيف ينصر الله المظلوم ولو بعد حين.
وفي المساء، بعد أن أغلقت أبواب المكتب وخرج الجميع، وقفت أمام نافذة مكتبي العالية، أنظر إلى أنوار المدينة المضيئة، وأحمد الله في سري على أن ألمي القديم لم يذهب هباءً، بل تحول إلى منارة وقوة لكل امرأة تبحث عن كرامتها وحقها المسلوب. الحياة لا تختبر قوتنا لتهزمنا، بل لتعلمنا كيف نصنع من الرماد إمبراطورية لا تهزها الرياح.
## الجزء الثامن: وصية الأجيال وتاج الكرامة
مرت الأعوام كأنها ومضة بصر، وتحولت “دكانة الأمل” من مجرد مشروع شخصي صغير أنقذني من براثن الضياع إلى مؤسسة كبرى وثكيلة الوزن في عالم النشر والثقافة ودعم المرأة في مصر كلها. لم يعد اسمي مرتبطاً فقط بتلك الليلة التي غيرت مجريات حياتي، بل صار رمزاً حياً لكل زوجة مظلومة ومكلومة تبحث عن طريق الخلاص واسترداد الكرامة المسلوبة.
في أحد أيام الربيع الدافئة، وأنا أستعد للاحتفال بيوبيل الدكان ومرور سنوات طويلة على تأسيسه، نظرت إلى نفسي في المرآة. لم تعد تلك الشابة المكسورة التي كانت تبكي بصمت في زاوية الغرفة الضيقة ببيت العيلة، بل أصبحت امرأة ناضجة، تملأ العزة عينيها، وتكسو الهيبة حضورها، ويحيط بها أبناؤها وهم في أتم نجاحهم وتفوقهم؛ فابنها الأكبر أصبح محامياً بارزاً يدافع بشراسة عن حقوق المظلومين والزوجات المعنفات، وابنتها الصغرى تخرجت بتفوق وتولت إدارة فرع دار النشر الجديد بكل كفاءة واقتدار.





