بعت دهبي حكايات زهرة ٤

في ليلة الاحتفال الكبرى، التي حضرها لفيف من الكاتبات، والصحفيات، والفتيات اللاتي ساعدتهن سابقاً في استرداد حقوقهن، وقفت على المسرح الصغير داخل القاعة المزينة بالأضواء، لألقي كلمة قصيرة أختتم بها سنوات الكفاح.
صمت الحضور تماماً، ووجهت العيون نحوي بترقب وإجلال. أخذت نفساً عميقاً، وقلت بصوت حاسم يتردد صداه في القاعة:
* “أيها الحضور الكريم.. لست هنا لأحكي قصة نجاح تجارية عادية، ولا لأتحدث عن أرباح مادية أو كتب طُبعت ونُشرت. أنا هنا لأروي قصة امرأة ماتت وتركت خلفها رماد القهر، لتعود وتولد من جديد كالفينيق من بين الحطام. علموني يوماً أن أتنازل عن دهبي ودكانة أبي، وظنوا أنني بلا سند ولا قيمة، فإذا بي أثبت لهم أن كرامة الحرة لا تُقدر بثمن، وأن المال الذي يُسرق بعنوة يعود، والظالم مهما طغى وتكبر, يأتي عليه اليوم الذي يركع فيه ذليلاً”.
ارتفعت أصوات التصفيق الحار من الحاضرين، وتأثرت بعض الفتيات دمعاً وهن يستمعن إلى تفاصيل الكفاح الذي يشبه قصصهن الخاصة.
أكملت كلماتي بابتسامة واثقة:
* “رسالتي لكل امرأة تشعر بالضعف أو الخذلان: إياكِ أن تستسلمي، إياكِ أن تقبلي بالدون، واعلمي جيدا أن ركنك الروحي ومصدر قوتك الحقيقي مستمد من ثقتك بالله أولاً، ثم بإيمانك المطلق بأن عرقك وجهدك وكرامتك خط أحمر لا يُسمح لأحد بتجاوزه. الحياة لا تعطي شيئاً للمستسلمين، بل تنحني احتراماً لمن يدافع عن حقه وهو حاطط رجل على رجل!”
ضجت القاعة بالتصفيق الحار والهتافات المؤيدة، وصعدت ابنتي وابني إلى المسرح ليعانقاني بدموع الفخر والاعتزاز، وتوالت الفتيات والكاتبات لمعانقتي وتقبيل يدي شكراً وعرفاناً بالدور الذي لعبته في حياتهن.
في تلك اللحظة، وأنا أنظر إلى وجهوهن المضيئة بالأمل، أدركت أن الألم لم يكن عبثاً، وأن الله إذا أراد بعبد خيراً، حول كسره إلى قوة، وذله إلى مجد لا ينطفئ. وانتهت رحلتي مع الحكاية، ولكن مسيرة النور والكرامة لن تنتهي أبداً.
## الجزء التاسع والأخير: الخاتمة الكبرى وعرش الحياة
وصلت الحكاية اليوم إلى محطتها الأخيرة، وكأن الشمس التي غربت قبل سنوات طويلة على ذلك البيت الضيق في بيت العيلة، قد عادت لتشرق من جديد وبقوة في سماء حياتي وحياة أولادي.
بعد حفل اليوبيل الكبير لدار النشر، وتلك الكلمات التي هزت قلوب الحاضرين، شعرت بأن دوري كمقاتلة دافعت عن حقها قد بلغ غايته الكبرى، وتحول إلى إرث ومدرسة لكل امرأة تبحث عن ذاتها وكرامتها. لم تعد “دكانة الأمل” مجرد مكان للبيع أو النشر، بل أصبحت منارة إنسانية يلجأ إليها كل مكسور ومظلوم ليجد الدعم والمشورة والسند.





