بعت دهبي حكايات زهرة ٢

## الجزء الثالث: النهاية العادلة
لم تكن ساعات الليلة التالية تشبه أي ليلة مرت عليَّ طوال حياتي. كانت صالة بيت العيلة تشبه ساحة حرب صامتة، فلم تكن هناك زغاريد ولا ضحكات خبيثة، بل ساد صمت مطبق يخيم عليه الذل والانكسار. كان كمال جالساً على ركبتيه في الزاوية، تائه الزهد والملامح، بينما كانت أمه تلطم خديها في صمت ممزوج بالحسرة والندم على الفضيحة التي جلبوها بأنفسهم. أما أنا، فدخلت شقتي القديمة الضيقة في بيت العيلة، أغلقت الباب بهدوء، وأحضرت عيائي وقبلت جباههم، ثم جلست على سريري بظهر منسوب بالثقة، أتابع ما سيحدث وكأنني أراقب مسرحية هابطة انتهى فصلها الأخير.
لم تمر سوى ساعة واحدة حتى سمعت صوت دقات متلاحقة ومرتجفة على باب شقتنا القديمة. فتحت الباب بهدوء لأجد كمال واقفاً ووجهه شاحب كالورق، وعيناه حمراوان من كثرة البكاء وقلة الحيلة، وبجانبه عمه الكبير الذي جاء مطأطأ الرأس، يدخل بخطوات بطيئة وكأنه يحمل جبلاً على كتفيه.
دخل العم وجلس على أول كرسي واجهه، وتنهد بحسرة بالغة قبل أن ينظر إليَّ بصوت منكسر:
* “يا بنتي يا نوال.. عيب اللي حصل، والراجل غلط ووقع في شر أعماله، وجاء طايش وما عرفش قيمة العيشة والنعمة اللي كانت في ايده.. بس إحنا أهل، وعلشان خاطر عيالنا اللي مالهمش ذنب، تعالي نتفاهم بالحسنى ونحل الموضوع من غير قضاء وفضايح أكتر في البلد”.
نظرت إلى كمال الذي كان ينظر إليَّ نظرة توسل واستجداء، ورفعت حاجبى ببرود شديد، وقلت بصوت حاسم:
* “تفاهم إيه يا عمي؟ هو إحنا لسه في وقت تفاهم؟ ابنك بعني برخص التراب، طردني مع عيالي من حقي، وسرق تعب عمري وثمن دكانة أبويا الله يرحمه عشان يجيب بيها عروسة تانية.. فاكر الموضوع يخلص بكلمتين سوري وكلمتين طيبين؟!”
هز العم رأسه بأسى وقال:
* “لا يا بنتي، مش هيخلص بكلمتين.. كمال كتب إقرار رسمي في الشهر العقاري من شوية، وتنازل عن الشقة الجديدة باسمك بالكامل، وكل مليم من تمن الدكانة والدهب هيرجعلك كاش فوري، بالإضافة لمؤخر الصداق والنفقة اللي تطلبيها.. بس والنبي يا بنتي، بلاش قضية التبديد والنصب اللي هتدخله السجن وتدمر مستقبله ومستقبل عيالنا قدام الناس”.
أخرج كمال من جيبه حافظة أوراق جديدة، ومد يده المرتجفة وهو يقول بصوت مكسور:





