متجوز على مراتى حكاوي شيمو ٣

بعد مرور شهور على صدور الأحكام القضائية التي أنهت زواج محمود الأول وقننت التزاماته المالية الصارمة، كانت الشقة التي طالما ضمت ذكرياته مع سعاد وكريم ومريم قد تحولت إلى أشبه بمتحف مهجور للأحلام المنكسرة. لم يتبقَ فيها سوى صمت ثقيل ورائحة غبار تراكمت على الأثاث الذي غطته ملاءات بيضاء، تماماً كما غطى النسيان أي بارقة أمل في استعادة حياته القديمة.
في المقابل، كانت الحياة في مكان آخر تسير في اتجاه مختلف تماماً؛ ندى استقرت مع ابنها يوسف في شقة صغيرة قرب أسرتها في أحد الأحياء الشعبية، وراحت تبني من ركام سنوات الضياع حياة جديدة لطفلها، رافضة تماماً أي محاولة تواصل عابرة من محمود الذي اكتفى بإرسال النفقات الشهرية صاغراً عبر البريد دون أن تجرؤ قدمه على الاقتراب من عتبة بابها، احتراماً لرغبة أهلها ورهبةً من نظرات العتاب في عينيه الصغير يوسف.
لكن الجرح الأكبر لم يكن في المال ولا في البيوت المهدمة، بل كان في المسافة الهائلة التي وضعتها الأيام بينه وبين أولاده الكبار. كريم ومريم رفضا تماماً فكرة رؤيته لفترة طويلة، معتبرين أن ما اقترفه ليس مجرد خطأ عابر، بل هو طعنة في ظهر الثقة التي أودعوها فيه.
وذات مساء، كان محمود جالساً على مقهى قديم في منطقه بعيدة عن سكناه، يحاول احتساء كوب من الشاي البارد، بينما كان هاتف المحمول القديم يوضع أمامه على الطاولة وكأنه قطعة حديد صماء لا نفع فيها. فجأة، اهتز الهاتف اهتزازة خفيفة، وظهرت رسالة نصية قصيرة على الشاشة من رقم مجهول.
فتح محمود الرسالة بقلب يوجفه الخفقان، فوجد الكلمات التالية مكتوبة بخط خشن وموجع:
> “يا بابا.. بكرة عيد ميلاد يوسف الصغير، وهو كمل سبع سنين. كان بيسألني كالعادة: ‘هو بابا مش هيجي يحتفل معايا زي زمايلي؟’. أنا مش همنعه لو حابب يبعتله هدية أو يكلمه تليفونياً، بس لو ناوي تيجي.. فكر ألف مرة قبل ما تخطو خطوة تفتح بيها جروح جديدة ملهاش آخر.. ندى.”
>
قرأ محمود الرسالة مراراً وتكراراً، وتصاعدت غصة مريرة في حلقه. سبع سنوات كاملة مرت منذ أن تزوج ندى في السر، وها هو يوسف يكمل عامه السابع، وهو نفس عمر السر الذي دمر كل حياته. أدرك أن الولد الصغير لا ذنب له في كل هذا الخراب، وأنه رغم كل الأخطاء يظل ابنه الذي يحمل اسمه في الأوراق الرسمية بينما يحرم من دفء وجوده في الواقع.




