متجوز على مراتى حكاوي شيمو ٣

رد كريم بحكمة قاربت شيوخ العشائر رغم صغر سنه: “الماضي خلص يا بابا، ومحدش يقدر يغير اللي حصل.. بس بكرة نقدر نبنيه صح. مستنيك بكرة في الكافيه القديم اللي كنا بنروحّه واحنا صغيرين الساعة خمسة العصر.. مع السلامة”.
قفل كريم الخط، وظل محمود ساهماً لعدة دقائق وكأن روحه عادت إليه بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من مفارقة جسده. لأول مرة منذ سنوات طويلة يشعر أن هناك بصيص نور يتسلل عبر نافذة مغلقة، لا ليغفر له ما فعل، بل ليمنحه فرصة أخيرة ليكون أبًا حقيقيًا، لا مجرد سر مجهول في حياة أولاده.
في اليوم التالي، وقبل الموعد بساعة كاملة، كان محمود واقفًا في زاوية الكافيه القديم، يفرك يديه بتوتر وقلق لم يعهدهما من قبل. كان يخشى أن يتراجع كريم في اللحظة الأخيرة، أو أن يأتي ليوجه له صفعة أخيرة تنهي ما تبقى من كرامته.
وبعد قليل، دخل كريم، ومعه طفل صغير يمسك بيده بإحكام.. إنه يوسف.
نظر كريم حوله حتى وقعت عيناه على أبيه الواقف بعيدًا. تقدم كريم بخطوات ثابتة وواثقة، وأوقف يوسف أمامه مباشرة، وقال بصوت هادئ: “أنا جيبته معايا يا بابا.. العبوا مع بعض، واتكلموا براحتكم.. أنا بره مستنيكم على الترابيزة التانية”.
ترك كريم أخيه الصغير مع أبيه وابتعد قليلاً ليمنحهما المساحة الكاملة. انحنى محمود على ركبتيه أمام يوسف، وفتحت يداه لتضم الصغير الذي ركض نحوه بضحكة بريئة، وقال بعفويّة مطلقة: “بابا! كريم قالي إنك هتدخلني العاب كبيرة النهارده.. صح؟”.
ضم محمود ابنه إلى صدره بقوة، ودموعه تساقطت على كتفه، وقال بصوت مليء بالندم والأمل معًا: “أحلى ألعاب في الدنيا ليك يا يوسف.. وكل حاجة جاية هتكون في النور، أقسم بالله في النور!”.
*كيف ستكون النهاية الكاملة لهذا الصراع الإنساني والعائلي الطويل؟ (تابع الجزء الأخير لمعرفة الخاتمة الكبرى).*
الجزء الثامن والأخير: عتبة النور
لم يعد هناك مكان للسراديب المظلمة، ولا للوعود المؤجلة، ولا للهروب خلف جدران واهمة من الكذب والخوف.
مرت الأيام التالية بطيئة لكنها كانت تحمل ملامح شفاء بطيء لقلوب مزقتها سنوات طويلة من الخداع. لم تعد سعاد إلى محمود، فقد كانت صفحة الزواج القديم قد طويت تمامًا بحكم القانون وقرار لا رجعة فيه، واستمرت هي في بناء حياة مستقرة لولديها كريم ومريم، مرفوعة الهامة، قوية بثباتها الذي علم الجميع درسًا قاسيًا في كرامة النساء. لكنها في المقابل، لم تمنع كريم من التواصل مع أبيه، ولم تقف حجر عثرة أمام محاولات محمود المستميدة لترميم ما يمكن ترميمه من تحطيم سابق.





