متجوز على مراتى حكاوي شيمو ٣

وفي صباح اليوم التالي، قرر محمود أن يفعل شيئًا مختلفًا، شيئًا يخرج به من قمقم العزلة والجبن الذي عاش فيه طوال حياته. اشترى هدية بسيطة مغلفة بورق ملون، وعلبة حلوى صغيرة، وانطلق بسيارته نحو الحي الشعبي الذي تقيم فيه ندى.
لم يكن يهدف إلى اقتحام البيوت أو إثارة المشاكل كما اعتاد في الماضي؛ بل وقف على بُعد شارعين كاملين من عمارة ندى، وأخرج هاتفه واتصل بها مباشرة. طال الرنين لأكثر من مرة قبل أن تأتي نبهة الرد الجافة والهادئة: “ألو.. يا محمود، خير؟”.
تحدث محمود بصوت متهدج وخالٍ تماماً من الكبرياء: “يا ندى.. أنا مش جاي أعمل مشاكل، ولا جاي أرجع البيت. أنا عارف إني جنيت على كل حاجة بيدي.. بس يوسف.. ابني.. اليوم عيد ميلاده. أنا واقف في الشارع اللي جنبكم، معاي هدية بسيطة ليه.. لو ممكن تخليه ينزل دقيقة واحدة أشوفه وأديهاله، أمشي بعدها فوراً ومش هتسمعوا صوتي تاني”.
ساد الصمت على الطرف الآخر لعدة دقائق، كأن ندى كانت تزن الكلمات وتفكر في مشاعر الصغير الذي طالما سأل عن أبيه. ثم جاء صوتها محملًا بتعب السنين: “استنى عندك.. أنا هخليه ينزل لك، بس نص ساعة بالعدد، ومش عايزة أي نقاش قديم، اتفقنا؟”.
قال محمود بلهفة وانكسار: “متفق يا ندى.. متشكر أوي”.
بعد دقائق قليلة، ظهر يوسف من بوابة العمارة، كان يرتدي قميصاً نظيفاً ويحمل في يده لعبة صغيرة. اقترب بخطوات مترددة نحو السيارة، وعيناه البريئتان تبحثان في وجه أبيه الذي تغير كثيراً وكساه الشيب والانكسار.
ترجل محمود من السيارة بسرعة، وركع على ركبتيه على الرصيف ليكون في مستوى طول ابنه. فتح إيديه ودموعه تخون عينيه لأول مرة أمام الصغير.
نظر يوسف إليه وقال بصوت طفولي بريء: “بابا.. إنت غيبت عننا ليه كتير؟ هو إحنا عملنا حاجة غلط؟”.
حضن محمود ابنه بقوة، ودفن وجهه في شعره الناعم وهو يبكي بصوت خافت وقال محتجباً وراء غصة الحزن: “لا يا حبيبي.. أنتوا ما عملتوش حاجة غلط.. بابا هو اللي كان عبيط ومغفل.. كل سنة وأنت طيب يا بطل، الهدية دي ليك”.
أخذ يوسف الهدية وفرح بها، وقبل أن تنتهي النصف ساعة، ودعه محمود بدموع حارقة، وركب سيارته مابتعداً، وهو يعلم أن هذا اللقاء القصير لن يمحو سنوات الضياع، لكنه ربما يكون الخيط الرفيع الأول نحو التطهر من أوزار الماضي.




