(فإني قريب) قصة قصيرة

_قُلت لك أنا مش عايز أكمل علاج.

قالها محمود بنبرةٌ شاحبة، وعينين مغروقتين بالدموع، رافضًا رفضٍ تام أن يكمل علاجه، فلقد أُصيب من فترةٍ بورم الدماغ الذي قضى على كل أمله وحياته، وجعله وحيدًا فارغ القلب من الحياة، يتمنى الأنتحار لولا الخوف من الله لقتل نفسه دون ذرة تردد، رُبما لم يكن شابًا عابدًا عبادة الأنبياء والصالحين، ليس بزاهدًا في الحياة، لم يفكر يومًا في الموت ظنًا منه إنه يملك عمرًا مديدًا..

وفي بعض الأحيان كان يفوت بعض الفروض تكاسلًا، وفي حينٍ آخر كانت مقتديات الحياة تلهيه عن الصلاة فينسى وينغمر في عمله وراحة بدنة.

وبصوتٍ يقطر بالمرارة، تجيب أمه ودموع عينيها تتساقط كالأنهار:

_يعني إيه يا حبيبي مش عايز تكمل علاج، لو مكملتش هتموت؟!

فيجيبها بنبرة إصرار:

_ما أنا كده كده ميت!

ما نفع الحياة، وهو أصبح كل شيء شاق عليه، لم يعد يمارس حياته كيفما يشاء، لم يعد ينام من شدة الألم.

وأعيته الادوية أكثر من أن تريحه!؟

لا يوجد راحة للمريض!

أخوته كلاٍ منهم في وادٍ آخر، في عالمٍ آخر إلا أمه تلك التي تشاركه الدمعة، والفرحة، والألم، والسهر باكية.

واقتنع أخيرًا بإجراء بعض الفحوصات، وذهب برفقة والدته إلى المستشفى، كان من الأجدر أن يذهب معه أخ من إخوته، أو رفيق من رفقاؤه، فما نفع الصحبة أن لم يكونوا حاضرين في وقت الشدة؟!

أنهىٰ فحوصاته، وخرج من المستشفى، وهو يسير بقدمين مثقلتين من الهم، كأن جبالٍ لا تتزحزح تجثم فوق صدره، تخنق قلبه بالبطيء ولا قدرة له على النجاة.

محال أن يشعر من لم يذق طعم المرض بالمريض.

فللمرض رائحة لا ترحل من الأنف، يظل صحابها يشمها مهما أنتشر أريج أي عطرٍ آخر..

للمرض ثقل لا يقدر على زحزحته أي أحد.

التفت محمود إلى أمه، وقال لها بنبرة رخيمة:

_ارجعي أنتِ البيت، وانا شوية وراجع.

فتجهمت والدته، وهي تسأله باهتمام وجل:

_وأنت هتروح فين؟

فأوقف سيارة أجرة وجعلها تستقرها، ووقف يشيع رحيل السيارة بمقلتين خاويتين، لم يكن يدري أين يريد أن يذهب كان يود أن يملأ عينيه من كل مكانٍ عزيزٌ على قلبه، على أصدقاء لم يهتموا بزيارته ولا بالوقوف بجانبه، على مكان لعب فيه في فترة الطفولة، أراد أن يودع كل ركنٍ وزاوية، وعزيزٍ وغالٍ.

سيشتاق نعم لإشراقة الصباح، ولنور القمر، وللسير ليلًا في سكون الدجى..

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *