جاكت امي الرمادي

تذكرت تلك الليالي. كنت أعود متأخرا من المذاكرة مع أصدقائي فأجدها نائمة على الكرسي بملابس الخروج والجاكت يغطيها. كنت أظنها كسولة لم أكن أعلم أنها كانت منهكة من مسح قاذورات الآخرين لتبني مستقبلي.
وصلت إلى الظرف رقم ٢٥. كان التاريخ قبل خمس سنوات. اليوم الذي تشاجرنا فيه.
اليوم.
. جرحتني يا بني. أعلم أنك لم تقصد. أحضرت
جاكت امي الرمادي
لي جاكت كشمير جميلا. هو ناعم جدا وغال جدا. قلت لي إنني أحرجك بملابسي القديمة. قلت يا أمي إحنا مش شحاتين. الكلمة كانت كالسوط.
يا حبيبي أنت لا تفهم. هذا الجاكت الكشمير.. لا يحمل رائحة تعبي. لا يحمل ذكريات ليالي الجوع التي نمتها لتأكل أنت. لا يحمل أثر الدموع التي ذرفتها حين كنت مريضا ولم أملك ثمن الدواء.
هذا الجاكت القديم ليس مجرد صوف مهترئ. إنه تاريخنا. إنه الشاهد الوحيد على كل مرة اخترت فيها أن أكون أما قبل أن أكون امرأة. عندما أرتديه لا أشعر بالفقر.. أشعر بالقوة. أشعر بأنني انتصرت على الدنيا لأنني أوصلتك إلى بر الأمان. لبس الكشمير يشعرني بأنني أخون تلك المرأة المقاتلة التي كنتها.
وضعت رأسي بين ركبتي وبكيت بصوت عال نحيبا لم أبكه منذ كنت طفلا. لقد كسرت قلبها في اللحظة التي كانت تظن فيها أنها توجت انتصارها. اعتقدت أنني أمنحها هدية بينما كنت أنتزع منها هويتها. كنت أرى الجاكت رمزا للعار وكانت
تراه تاجا من الشوك والذهب في آن واحد.
بقيت الرسائل الأخيرة. تلك التي كتبت في شهورها الأخيرة.
الظرف رقم ٢٩. قبل وفاتها بشهرين.
بدأت أشعر بالتعب مؤخرا. ألم في صدري لا يهدأ. أعرف هذه الأعراض.. رأيتها في والدتي. لكنني لم أذهب للطبيب. أنت الآن في بداية حياتك المهنية تخطب وتؤسس شقتك. لا أريدك أن تنفق قرشا واحدا على أدوية لا طائل منها. لقد عشت حياتي ومهمتي انتهت. كل قرش وفرته بارتداء هذا الجاكت لثلاثين عاما كان من أجلك وليس من أجل الأطباء.
صرخت في الغرفة الفارغة ليه يا أمي ليه!
كان موتها تضحية أخيرة. حتى في نفسها الأخير كانت توفر من أجلي. شعرت بذنب يكاد يفتك بي. أنا المهندس الناجح لم أستطع إنقاذ أمي لأنها قررت أن توفر ثمن علاجها لي.
وصلت للظرف الأخير. رقم ٣٠.
كان الظرف أثقل من غيره. يدي كانت ترتعش بشدة لدرجة أنني بالكاد استطعت فتحه.




