جاكت امي الرمادي

بداخله كانت هناك رسالة قصيرة ودفتر توفير بنكي قديم.

بني.. إذا كنت

تقرأ هذا فأنا قد رحلت. لقد قرأت قصتنا. عرفت الآن لماذا كان هذا الجاكت أغلى ما أملك.

لقد عشت حياتي كلها بخوف.. خوف من أن تحتاج شيئا ولا أستطيع توفيره. هذا الخوف جعلني أخبئ كل قرش.

في هذا الدفتر ستجد حصيلة ثلاثين عاما من الجاكت المقطع. كل زر لم أغيره كل وجبة لم آكلها كل شتاء لم أشتر فيه معطفا جديدا.. تحول إلى أرقام في هذا الدفتر.

فتحت الدفتر. شهقت.

المبلغ كان ضخما. مئات الآلاف. رقم لا يمكن لامرأة تعمل في مصنع وتنظف السلالم أن تجمعه إلا إذا عاشت على الهواء والماء.. وإلا إذا ارتدت نفس الجاكت لثلاثين عاما.

كانت ثروة. ثروة بنيت من الحرمان النقي.

عدت للرسالة لقراءة السطور الأخيرة.. الطلب الأخير.

والآن طلبي الأخير.

لا تشتر لي قبرا فاخرا. ولا تتبرع بالمال لجامع باسمي.

أريدك أن تأخذ هذا المال وتبحث عن امرأة.. أم وحيدة تربي أطفالها وحدها وتلبس جاكت قديما في عز الشتاء لتدفئهم.

أعطها المال. كله.

وقل لها

هذا من امرأة تعرف معنى أن يكون البرد في العظام لكن النار في القلب من أجل أولادها. قل لها أن تشتري لنفسها معطفا جديدا وألا تشعر بالذنب أبدا.

انتهت الرسالة.

نظرت إلى الجاكت الملقى أمامي. لم يعد يبدو قديما أو قبيحا. رأيته للمرة الأولى على حقيقته. كان عباءة قديسة. كل رقعة فيه كانت آية من آيات الحب غير المشروط.

احتضنت الجاكت بقوة ودفنت وجهي في صوفه الخشن أستنشق رائحتها للمرة الأخيرة.

لقد ماتت أمي وهي تظن أنها فقيرة لكنها تركت لي إرثا لا يقدر بمال الدنيا. تركت لي الدرس الأعظم في الحب.

نهضت وأنا أشعر بثقل السنوات يزول عن كاهلي ويحل محله عزم جديد. ارتديت معطفي الكشمير الفاخر وشعرت لأول مرة كم هو بارد مقارنة بدفء تضحيتها.

أخذت دفتر التوفير وخرجت من الشــ،ــــقة. لدي مهمة لأقوم بها. لدي وصية لأنفذها. وهناك في مكان ما في هذه المدينة القاسية أم أخرى تحتاج أن تعرف أنها ليست وحدها وأن جاكتها القديم ليس عارا بل هو أعظم وسام يمكن أن تحمله.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *