اختنا التالته اتو.فت

​عمرى ما هنسى أول أوضة مستشفى دخلناها.

​ريحة المطهّرات النفاذة. الإضاءة الباردة. صور الكرتون اللي على الحيطان واللي مكنتش بتعمل أي حاجة عشان تقلل الرعب اللي في المكان.

​أمي وقتها قالت لنا إن نورا تعبانة شوية ومحتاجة ترتاح.

​نورا، والخرطوم متثبت في دراعها، لفت عينيها بملل وقالت: “أنا مش عيلة صغيرة يا أمي.”

​حتى وهي بتكش وتصغر تحت بطاطين المستشفى، كانت لسه بتحاول تطمننا.

​قالت لنا: “متتأثروش أوي كده، شكلكم بيبقى غريب وأنتوا قلقانين.”

​لما نورا ماتت، بيتنا نسي إزاي يطلع صوت.

​شبشبها فضل في الصالة لأسابيع عشان أمي مكنتش قادرة تشيله من مكانه. فرشة سنانها فضلت جنب فرشنا. سريرها الفاضي بقى عبارة عن حتة صمت مفيش حد فينا عارف يقرب منها.

​بس الحتة الأوحش مكنتش مجرد إننا مفتقدينها.

​الأسوأ هو اللي غيابها عمله فيا أنا وليلى.

​الحزن مقربناش من بعض. ده حدف كل واحدة فينا في ناحية تانية من نفس الوجع.

​لمدة عشر سنين، كنا بنطفي الشمع لشخصين، وإحنا بنفتكر في سرنا إننا تلاتة.

​في سن اتناشر سنة، تمنيت إن نورا ترجع.

​في سن تلاتاشر، تمنيت إن أمي تبطل عياط وهي بتغسل الهدوم.

​في سن اربعتاشر، تمنيت إن ليلى ترجع تتكلم معايا زي زمان.

​ولما وصل عيد ميلادنا الواحد وعشرين، كنت فاكرة إني خلاص اتعلمت أعيش مع الفراغ ده.

​بس طلعت غلطانة.

​الصبح ده، رحت أنا وليلى بيت أمي عشان نفطر. حضنا بعض حـ,ـضن سريع ومتردد، من النوع اللي بيبان كأنه حذر وخوف أكتر من إنه حب.

​أوضة السفرة كانت متزينة ببلالين دهبي.

​تورتة صغيرة كانت محطوطة على البوفيه.

​وعلى الترابيزة كان فيه تلات أطباق.

​محدش فينا نطق بكلمة.

​وفي وسط الفطار، دخلت أمي وهي شايلة صندوق خشب صغير ومثبتاه على صدرها. إيديها كانت بتترعش.

​حطته وسطنا.

​معدتي اتعقدت قبل ما أفهم حتى في إيه.

​فوق الصندوق كان فيه ظرف أصفر قديم.

​الخط اللي مكتوب بيه خلاني أشرق وأقطع النفس.

​كنت هعرف الخط ده لو شفته فين.

​”يتفتح في عيد ميلادنا الواحد وعشرين.”

​الشوكة وقعت من إيد ليلى.

​أمي خبت بوقها والدموع مغرقة عينيها.

​همست أمي وقالت: “هي اللي عملت ده قبل ما تمـ,ـوت. قالت لي: هما هيحتاجوني لما يكبروا كمان.”

​لأول مرة من سنين، ليلى مدت إيدها تحت الترابيزة.

​ولأول مرة من سنين، مسكت في إيدها جامد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *