12 سنة روماني مكرم 4

لكن ريهام رفعت يدها فجأة لتوقف شقيقها. نظرت إلى مدحت الركع عند قدميها بنظرة باردة كالموت، نظرة خالية تماماً من الغضب، بل مليئة بالاشمئزاز والاشفاق. تراجعت خطوة إلى الوراء لتسحب طرف ثوبها من يده، وقالت بصوت هادئ، حاد ومزلزل:

“ابنك؟ إنت فاكر يا مدحت إن الطفل ده ابنك؟”

توقف مدحت عن البكاء ونظر إليها ب أمل بائس، فتابعت ريهام وهي تبتسم بمرارة: “إنت لو كان عندك ذرة عقل أو بتفهم في الأصول، كنت عرفت إن ربنا مأخرش الخلفة عنا 12 سنة لأن العيب فيا.. ربنا أخرها لأنه رحيم بيا، مكنش عاوز يربطني بعيل من راجل خاين وطماع زيك وزي أمك. ربنا نقذني ونضّف حياتي منكم الأول، ولما بقيت حرة وباسم نفسي وفي ملكي، رزقني بالمعجزة دي عشان تكون ليا لوحدي.. للست اللي شقيت واتظلمت وصبرت. الطفل ده ملوش أب يا مدحت، الطفل ده ابني أنا وبس، وإنت مالكش فيه ولا قشة، زي ما مالكش في الشقة والعفش.”

التقط أحمد أطراف الحديث وجر مدحت من ياقته بعنف ودفعه نحو درجات السلم قائلاً: “لو شوفت خيالك في الشارع اللي إحنا فيه تاني، مش هعملك محضر.. أنا هسيب أهل المنطقة يربوك ويعرفوك مقامك يا غشاش. ارمي نفسك في أي داهية إنت وأمك!”

تلقى مدحت الدفعة ليتهاوى على السلالم، يجر أذيال خيبته الأكبر. خرج إلى الشارع وهو يشعر ب جنون فعلي يزحف إلى عقله؛ لقد تبخرت آخر أوهامه، واستوعب للمرة الأولى وبشكل قاطع أن ريهام أغلقت كتاب الماضي ورمته في النار، وأن قطارها تحرك بسرعة نحو القمة، تاركاً إياه دهساً تحت عجلاته.

عاد مدحت إلى الغرفة العشوائية بوجه يشبه الأموات. ارتمى بجوار سرير والدته الحاجة فايزة، التي كانت تراقب ملامحه المنهارة بعينها السليمة، محاولة فهم ما جرى. نظر إليها مدحت وعيناه تشعان حقداً وندماً، وقال بصوت هامس ومخيف: “روحتلها يا أمي.. روحتلها واتذللت تحت رجليها وطردتني زي الكلب. ريهام قالتلي إن الطفل ده بتاعها لوحدها، وإن ربنا طهرها مننا قبل ما يديهولها. إحنا ضيعنا كل حاجة.. كل حاجة يا أمي.”

أغمضت الحاجة فايزة عينها، وانفجرت في بكاء صامت مرير، شاعرة بأنفاس الموت والندم تخنق صدرها، وهي ترى ابنها الوحيد يتحول إلى حطام إنسان بسبب طمعها.

مرت الأشهر الباقية من الحمل كأنها حلم جميل لريهام. كانت بطنها تكبر، ومعها تكبر نجاحات مكتبها الذي أصبح واحداً من أشهر مكاتب الاستشارات في المنطقة. كانت محاطة برعاية شقيقها أحمد وحب عائلتها، تستعد لاستقبال معجزتها المنتظرة بقلب نقي وصافٍ.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *