12 سنة روماني مكرم 4

في المقابل، كانت المستشفى التي وضعت فيها ريهام تشهد أجواءً من النور والبهجة. ضمت ريهام طفلها إلى صدرها، وقررت أن تسميه “يوسف”، ليكون رمحاً للفرج والجمال بعد سنوات الصبر البئر التي عاشت فيها.

مرت الأيام والسنوات سريعة، وتحولت حياة ريهام إلى قصة نجاح ملهمة. كبر يوسف وأصبح طفلاً جميلاً يملأ عليها الدنيا بهجة، وكان شقيقها أحمد بمثابة الأب والسند له. أما مكتب الاستشارات المالي الخاص بريهام، فقد تحول بمرور السنوات إلى شركة كبرى لها فروع، وأصبحت ريهام من سيدات الأعمال المشهود لهن بالذكاء والنزاهة والأصل الطيب.

وفي أحد أيام الصيف، وبعد مرور خمس سنوات على تلك الأحداث، كانت ريهام تستقل سيارتها الفارهة بصحبة ابنها يوسف وشقيقها أحمد. توقفت السيارة أمام إحدى الإشارات المرورية المزدحمة في وسط المدينة. التفت يوسف الصغير إلى النافذة، وأشار بيده قائلاً: “ماما.. بصي الراجل ده شكله تعبان أوي.”

نظرت ريهام من النافذة بدافع الفضول، لتتجمد ملامحها للحظة. كان هناك رجل أربعيني، يرتدي ملابس رثة وممزقة، وظهره منحنٍ يحمل صندوقاً خشبياً لبيع المناديل وبعض البضائع البسيطة بين السيارات تحت أشعة الشمس الحارقة. كان وجهه شاحباً للغاية، وعلامات الهرم والكسرة قد حفرت على وجهه أخدوداً عميقاً.

إنه “مدحت”.

تعرفت عليه ريهام فوراً رغم تغير حاله. التقت عيناهما عبر زجاج السيارة الفارهة. تجمد مدحت في مكانه، وسقطت علبة المناديل من يده على الأسفلت. نظر إلى ريهام وهي في قمة أناقتها ووقارها، وإلى الطفل الجميل الذي يجلس بجوارها ويشبهها كثيراً، ثم إلى أحمد الذي كان يقود السيارة وينظر إليه بنظرة نصر صامتة.

شعر مدحت برغبة في أن تنشق الأرض وتبتلعه؛ كان هذا اللقاء هو العقاب الأشد قسوة من الموت نفسه. أن يرى بعينيه الغنى والرفعة والولد للضحية التي ظلمها، في المقابل الذي يتسول فيه هو قروشاً في الشوارع. لم تنطق ريهام بكلمة واحدة، ولم تفتح النافذة لتشتمه أو تتشفى فيه؛ بل اكتفت بنظرة هادئة مليئة بالحمد لله، ثم أغلقت عينيها ودعت لولدها. تحركت الإشارة، وانطلقت السيارة مسرعة، تاركة مدحت واقفاً في وسط الغبار والشمس، يجمع المناديل من على الأرض والدموع تنهمر على وجهه المغبر.

### الحكمة من القصة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *